الأربعاء 28 تشرين الأول 2026 - 0:05
كتب (د. حبيب البدوي)
في وقت تتعاظم فيه مخاطر اتساع المواجهات في الشرق الأوسط، اكتسب لقاء طهران، الذي جمع في 26 تشرين أول 2026 مسؤولين رفيعي المستوى من المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان وإيران، دلالة تتجاوز حدود الاجتماع الأمني المعتاد. فقد وضع هذا اللقاء الحوار المباشر في قلب الجهود الرامية إلى تهدئة الأزمة، وأظهر إمكانية الجمع بين الأطراف المختلفة للدفاع عن المصالح الوطنية وفتح مسارات سياسية للحيلولة دون تجدد التصعيد.
شارك في المحادثات صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز، والمشير عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني، وإبراهيم قالن، رئيس جهاز الاستخبارات الوطني التركي. ومن الجانب الإيراني شارك محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، ووزير الخارجية عباس عراقجي، فيما التقى الوفد الرئيس مسعود بزشكيان. ويعكس مستوى التمثيل إدراك الأطراف أن التهدئة تحتاج إلى صلات مباشرة بين الجهات القادرة على نقل التفاهمات السياسية إلى دوائر القرار الأمني.
ووفقًا للبيان الصادر عقب الاجتماع الرباعي، اتفقت الدول الأربع على مواصلة الحوار لتعزيز التعاون فيما بينها، بما يشمل السلام والأمن في المنطقة. وهذه نتيجة أولية ذات مغزى، لكنها لا تعني التوصل إلى تسوية نهائية أو إعلان التزامات أمنية جديدة. فالأهمية الفعلية للقاء تكمن في القناة التي أتاحها، وفيما يمكن أن تنتجه لاحقًا من إجراءات تحدّ من مخاطر سوء التقدير.
رسالة الرياض: خفض التصعيد مع صون الأمن الوطني
حددت وزارة الخارجية السعودية الغاية من الزيارة بوضوح: خفض التصعيد بين أطراف الأزمة الراهنة، وتشجيع الحوار والحلول الدبلوماسية، ودعم جهود الوساطة التي تقودها قطر وباكستان. وشدد البيان السعودي الصادر في 26 أكتوبر على أهمية فتح قنوات التفاوض لمنع عودة التصعيد العسكري، وتهيئة الظروف لاتفاق يعزز أمن المنطقة وسلامها. وبذلك جاء اللقاء امتدادًا لمسار دبلوماسي معلن، لا تحولًا مفاجئًا في موقف المملكة.
من منظور الأمن السعودي، لا تنفصل الدعوة إلى التهدئة عن مسؤولية حماية أراضي المملكة ومنشآتها المدنية والاقتصادية. فقد أبرزت الهجمات التي نفذها الحوثيون على أهداف داخل المملكة، وما أثارته من مخاوف تتصل بأمن البحر الأحمر، أن استمرار التوتر يفرض تكاليف تتجاوز ميدان المواجهة. ومن ثم، فإن أهمية لقاء طهران لا تُقاس بقدرته على إرسال رسالة سياسية فحسب، بل أيضًا بإمكان إسهامه في الحد من التهديدات التي تطاول المدنيين والمرافق الحيوية.
لماذا اجتمعت دول اتفاقية مكة مع إيران؟
يمثل اللقاء اختبارًا عمليًا للكيفية التي يمكن بها توظيف اتفاقية مكة للدفاع المشترك، الموقّعة بين المملكة وتركيا وباكستان في آب 2026. فالاتفاقية تؤسس للتعاون الدفاعي بين الدول الثلاث، لكنها لا تحول دون العمل الدبلوماسي مع أطراف الخلاف الإقليمي. وعلى العكس، تشير زيارة طهران إلى أن التنسيق الأمني قد يوفر للدول المشاركة قاعدة مشتركة للتحاور بشأن التهديدات وسبل احتوائها.
لا ينبغي تفسير اجتماع طهران على أنه اتفاق على إقامة منظومة أمنية رباعية، أو بوصفه ضمانة بانتهاء الخلافات القائمة. فهذه احتمالات تتطلب قرارات وتفاهمات لاحقة لم يعلن عنها المشاركون. أما ما يمكن استخلاصه من الاجتماع فهو أن الدول الثلاث اختارت مخاطبة إيران مباشرة، بدل اختزال العلاقة معها في رسائل التحذير أو قنوات الاتصال غير المباشرة.
تكامل الأدوار السعودية والباكستانية والتركية
تدخل الدول الثلاث هذا المسار من مواقع مختلفة. فالمملكة معنية مباشرة بأمن أراضيها والخليج والبحر الأحمر، وتملك خبرة ممتدة في العمل الدبلوماسي العربي والإقليمي. وتتمتع باكستان بعلاقات مع الرياض وطهران، كما تضطلع بدور في جهود الوساطة الرامية إلى احتواء الأزمة. أما تركيا، التي ترتبط بإيران بحدود مشتركة ومصالح إقليمية متداخلة، فتضيف إلى المحادثات خبرة مؤسساتها الأمنية وقدرتها على التواصل مع أطراف متعددة.
هذا التنوع لا يلغي تباين الأولويات، لكنه قد يمنح الدبلوماسية مساحة أوسع للمناورة. فحين تتلاقى مصالح الشركاء على تجنب الحرب، يصبح بإمكان كل طرف الإسهام من موقعه في توضيح المخاوف ونقل المقترحات وتيسير التواصل. وسيظل نجاح هذا الدور مرهونًا باستمرار التنسيق بين العواصم الثلاث وبقدرتها على تحديد ما يمكن تحقيقه واقعيًا في كل مرحلة.
الملف اليمني: اختبار للنتائج لا للنيات
يلقي التصعيد المرتبط بالحوثيين بظلاله على أي نقاش حول أمن المملكة والمنطقة. وإذ تشير تقارير ودراسات إلى أن إيران قدمت دعمًا للجماعة، فإن وجود نفوذ سياسي أو عسكري لا يساوي بالضرورة قدرة مطلقة على توجيه قراراتها الميدانية. ولهذا، من الأدق النظر إلى محادثات طهران بوصفها فرصة لاختبار مدى استعداد الأطراف المعنية للمساهمة في تخفيف التوتر، لا افتراض أنها ستفضي تلقائيًا إلى وقف الهجمات.
يمكن أن تظهر النتائج العملية في صورة تراجع مستدام للهجمات على الأراضي السعودية والملاحة، أو إنشاء قنوات اتصال عاجلة للتعامل مع الحوادث، أو تقليص فرص انتقال التصعيد من ساحة إلى أخرى. أما استمرار الحوار دون تغير ملموس على الأرض، فسيعني أن الدبلوماسية ما زالت في مرحلتها التمهيدية. وفي الحالتين، يساعد التمييز بين التعهدات العامة والسلوك الفعلي على تقديم تقييم أكثر دقة.
من طهران إلى هرمز وباب المندب
تتجاوز رهانات اللقاء حدود العلاقات الثنائية مع إيران. فأمن الخليج ومضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب يرتبط ارتباطًا وثيقًا بحركة الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية. وكلما ازدادت احتمالات المواجهة، ارتفعت المخاطر التي تواجه الملاحة والاقتصادات الإقليمية. ومن هذه الزاوية، فإن نجاح جهود التهدئة لا يحمي أمن الدول المعنية فحسب، بل يدعم كذلك المصالح الاقتصادية المشتركة وحرية المرور في الممرات البحرية.
تؤكد هذه المصالح أن ترتيبات الردع والدفاع ليست بديلًا عن التفاهمات السياسية، كما أن الحوار وحده لا يكفي إذا بقيت مصادر التهديد قائمة. المطلوب هو توازن يحفظ سيادة الدول وقدرتها على حماية أراضيها، ويمنح العمل الدبلوماسي فرصة حقيقية لمعالجة أسباب التوتر ومنع تمدده.
ما المعيار الحقيقي لنجاح لقاء طهران؟
من المبكر الحكم على اجتماع يوم واحد بما يفوق نتائجه المعلنة. لكن يمكن متابعة ثلاثة مؤشرات: أولها استمرار المشاورات بين الدول الأربع على نحو منتظم؛ وثانيها إحراز تقدم في جهود الوساطة التي تقودها قطر وباكستان؛ وثالثها ظهور إجراءات ملموسة تقلل من احتمال تجدد الهجمات أو اتساع المواجهات. وكل تقدم في هذه المجالات سيمنح اللقاء وزنًا يتجاوز رمزيته السياسية.
الأهم أن ما جرى في طهران يقدّم تصورًا لمسار يمكن أن يتعايش فيه الدفاع المشترك مع الانفتاح الدبلوماسي. فالمملكة وشريكتاها في اتفاقية مكة لا تتخلى، من خلال الحوار، عن مقتضيات الأمن الوطني؛ وفي المقابل، لا تجعل التنسيق الدفاعي حاجزًا أمام البحث عن تسويات سلمية. وبين هذين البعدين تتحدد القيمة الاستراتيجية للمبادرة.
وعليه، فإن لقاء طهران ليس خاتمة للأزمة، بل بداية اختبار سياسي وأمني أدق: هل تستطيع الدول المعنية تحويل التواصل المباشر إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ، ثم إلى استقرار محسوس؟ ستكون الإجابة مرهونة بما يتحقق بعد مغادرة الوفود قاعة الاجتماع؛ حين تنتقل الدبلوماسية من لغة البيانات إلى أثرها في أمن الناس واستقرار المنطقة.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



