دولي وعربي


إنها هزيمة لنتنياهو

الخميس 29 تشرين الأول 2026 - 0:06

في قراءة لنتائج المواجهة الانتخابية الأخيرة وتداعياتها السياسية والعسكرية، رأى المحلل السياسي والعسكري في مقالة له في صحيفة "يديعوت أحرونوت" تحت عنوان: "هناك طريقة واحدة لوصف النتائج: هزيمة لنتنياهو"، أنّ ما جرى يمثّل إخفاقًا لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وأنّ هناك طريقة واحدة لوصف النتائج:"هزيمة لنتنياهو". وجاء في المقال:

إن الخطر الذي ينبغي لنا الحذر منه الآن هو محاولة تحويل الهزيمة إلى تعادُل، عبر تغيير قواعد احتساب الأصوات؛ فإذا أكدت النتائج الرسمية استطلاعات قنوات التلفزيون، التي تشير إلى نحو 50 مقعداً للأحزاب المؤيدة لاستمرار حُكم نتنياهو، ونحو70  مقعداً للأحزاب المعارضة له، فلن يكون هناك سوى طريقة واحدة لوصف النتيجة: إنها هزيمة ساحقة لنتنياهو.
لقد صوتت أغلبية ساحقة، أكبر كثيراً من تلك التي شهدتها الانتخابات في تاريخ دولة إسرائيل، ضد استمرار حُكم حكومة كارثة السابع من أكتوبر.

لا يملك نتنياهو وشركاؤه أغلبية لتأليف حكومة، وصعوبة خصومه في تأليف حكومة خاصة بهم لا تحوّل خسارته إلى تعادُل، لكن هنا تحديداً، يكمن الفخ: كأن إسرائيل تضم ثلاث كتل، هي الائتلاف والمعارضة وكتلة أُخرى منفصلة عنهما، على أساس الهوية القومية والدينية. مواطنون تدخل أوراق اقتراعهم إلى صناديق الانتخابات، لكن أصواتهم تُستبعد من الحساب عندما يُراد تحديد ما إذا كان نتنياهو فاز، أم خسر. وفجأة، نحصل على "تعادُل"، تعادُل بين ماذا وماذا؟ وبين مَن ومَن؟ بين مؤيدي نتنياهو ومعارضيه الذين تبقّوا بعد أن خصمنا العرب من الحساب؟
وصف شخص بريطاني هذه الطريقة وصفاً دقيقاً، قبل وقت طويل من ظهور آلة السموم الإسرائيلية. "جميع الحيوانات متساوية، لكن بعض الحيوانات أكثر مساواةً من غيرها." هذا ما كتبه جورج أورويل في روايته "مزرعة الحيوان"، التي نُشرت في سنة 1945. مرّ أكثر من 80  عاماً، وما زالت العبارة صالحة تماماً.

تقول الرواية إن الخنازير التي قادت التمرد على صاحب المزرعة تتحول إلى طبقة حاكمة بالتدريج؛ فتركّز السلطة في أيديها، وتمنح نفسها أفضل أنواع الطعام وظروف المعيشة المميزة، وتترك لبقية الحيوانات العمل الشاق والحرمان. ولكي تبرر الفجوة بين الوعود والأفعال، تعيد كتابة القواعد الأساسية للمزرعة؛ فعندما تبدأ الخنازير بالنوم في الأسرّة، يتبين، بحسب التفسير الجديد، أن الحظر كان يشمل الأسرّة ذات الملاءات فقط؛ وبعد قتل حيوانات أُخرى، يتضح أن الحظر ينطبق على القتل من دون سبب؛ وعندما تشرب الخنازير الكحول، يُختزل الحظر في الإفراط في الشرب. وفي كل مرة، تقدم الصيغة الجديدة، كأنها كانت موجودة منذ البداية. ويُطلب من الحيوانات التشكيك في ذاكرتها وتصديق تفسيرات السلطة. وفي النهاية، تُمحى جميع القواعد، ولا يبقى سوى الجملة المتعلقة بالمساواة بين الحيوانات، وبكون بعضها أكثر مساواةً من غيره. وتبقى كلمة "المساواة" على الجدار، حتى بعد القضاء على المساواة نفسها.

خلال الأشهر الستة الأخيرة، انشغلت آلة السموم بهذه المهمة تحديداً: حملة كاذبة وخبيثة وعنصرية تهدف إلى جعل الناخبين العرب وممثليهم غير شرعيين، بدءاً بالافتراءات التي تزعم أن أطباء وممرضين وممرضات عرباً مارسوا التمييز ضد اليهود والجنود، وصولاً إلى اقتباسات متعددة تُنسب إلى قادة الجمهور العربي. والهدف هو تعويدنا على اعتبار الإقصاء أمراً بديهياً، كأن الأمور كانت دائماً على هذا النحو، وكأن نتنياهو نفسه لم يسعَ لتأليف حكومة بدعم من"القائمة الموحدة"، وكأن سموتريتش لم يشهد عليه في تسجيل صوتي، قائلاً: ألم يرِد الذهاب مع الموحدة؟ بل أراد ذلك كثيراً، وأنا الوحيد الذي وقف في وجهه." إذاً، يتبين أن صلاحية الصوت العربي تتوقف على السؤال عمّن يُبقيه في بلفور.

يكمن افتراض بسيط وعنصري في عمق هذه الحملة، حتى في نسخها المهذبة والمبطنة: يجب أن تكون قيمة الصوت العربي أقل. يُسمح للمواطن العربي بالتصويت، لكن يفضَّل ألّا يكون صوته مؤثراً. واليوم، بلغت الحملة ذروة جديدة: ربط نتنياهو التحذير من أن "الانتخابات تُسرَق منا" بالإعلان أن "صناديق الاقتراع العربية تشهد إقبالاً قياسياً على الإطلاق." وفي السياق نفسه، أشار أيضاً إلى شبهات بشأن شراء الأصوات. وهكذا جرى الربط بين شبهات ارتكاب مخالفة قانونية وبين ممارسة مشاركة ديمقراطية مشروعة تماماً، كأن الأمرين يشكلان جزءاً من التهديد نفسه.

يجب التحقيق في شبهات شراء الأصوات؛ لقد أفاد المدير العام للجنة الانتخابات، دين ليفني، بأن الحادثة التي بلّغ بشأنها أُحبطت قبل وصول المشتبه فيهم إلى صناديق الاقتراع، وشدد على أنها حادثة محدودة. ولا يوجد في ذلك ما يبرر وصم جمهور بأكمله، أو تصوير ارتفاع نسبة مشاركته في التصويت، بصفته مؤشراً إلى سرقة الانتخابات.

المواطنون العرب الذين يتوجهون إلى صناديق الاقتراع لا يسرقون الانتخابات؛ إنهم يشاركون فيها. ويجب أن يكون هذا التمييز بديهياً، حتى بالنسبة إلى رئيس الحكومة. نحن نتحدث عن جمهور تخلّت عنه هذه الحكومة بصورة منهجية إلى حدّ بعيد، وألحقت به أضراراً عميقة إلى درجة أن الانتخابات، بالنسبة إلى كثيرين من أفراده، أصبحت معركة من أجل إمكان العيش هنا بأمان؛ معركة لإنقاذ الأرواح، بالمعنى الحرفي للكلمة؛ أمّا عند نتنياهو، فتحوّل هذا المسعى أيضاً إلى دليل إدانة.

ينص "القانون الأساسي: الكنيست" على أن "الكنيست ينتخب في انتخابات عامة، وطنية، مباشرة، سرية ونسبية، متساوية"، من دون علامة نجمة، ومن دون تعرفة منفصلة، بحسب القومية التي ينتمي إليها الناخب. إن تساوي الأصوات ليس امتيازاً يمنحه رئيس الحكومة لمن يصوّت على النحو الصحيح. ومن المؤسف أن وسائل إعلام كثيرة تبنّت هذا التقسيم، وأحياناً تبنّت أيضاً الاستنتاج الخاطئ المترتب عليه. ومن الجائز، طبعاً، تحليل الأحزاب التي تختلف فيما بينها وتتنازع على المشاركة في الائتلاف، كلٌّ على حدة، لكن ثمة فرقاً بين رسم خريطة الخيارات المتاحة لتأليف حكومة، وبين إحصاء المواطنين الذين صوّتوا لاستمرار حُكم نتنياهو، أو ضده. فعندما يُستخدم مصطلح "الكتلة الثالثة" لتصوير نتيجة 50 في مقابل 70 على أنها تعادُل، لا يعود التقسيم مجرد أداة للتحليل، بل يتحول إلى وسيلة لمحو الدلالة السياسية للتصويت العربي.
والجمهور، شأنه شأن الحيوانات عند أورويل، يحك رأسه ويتساءل عمّا إذا كانوا احتسبوا الأصوات بهذه الطريقة دائماً. وهل كان من البديهي دائماً أن يكون هناك أصوات تغيّر النتيجة، وأصوات أُخرى لا تفعل سوى إرباك تفسيرها. ووفق المنطق نفسه، كان من الممكن أيضاً استبعاد الأحزاب الحريدية من الحساب، وإعلان وجود "كتلة حريدية" منفصلة، لكن في حالتها، لا ينسى أحد إلى أي معسكر يجب ضم المقاعد التي تحصدها.

أمّا نتنياهو نفسه، فلا يختلط عليه الأمر؛ إنه يدرك تماماً أن الأصوات التي تذهب إلى الأحزاب العربية تهدد استمرار حُكمه؛ لذلك يحذّر منها. والمفارقة أن الذين يتبنّون حساباته يساهمون في طمس ما يعرفه هو جيداً.

في أعقاب وسائل الإعلام، وقع كثيرون من سياسيي المعارضة في الفخ أيضاً. فالمرة تلو الأُخرى، استجابوا للإملاءات، وتحركوا وفق الإشارة، ودُفعوا إلى الزاوية، وتنافسوا فيما بينهم على تقديم التعهدات باستبعاد شركاء محتملين، إلى أن كادوا يحرمون أنفسهم إمكان تأليف حكومة. وضع نتنياهو العقبة؛ فتطوعوا هم لصوغها في صورة تعهُّد للناخب.

إذا جاءت النتائج الرسمية قريبة من هذه الصورة، أي 50 مقعداً للأحزاب التي تريد إبقاء نتنياهو في الحكم، في مقابل 70 مقعداً للأحزاب التي تريد استبداله، فستكون هزيمة ساحقة وحادة ووحشية لنتنياهو. لقد قال الناخب كلمته، وركل نتنياهو إلى خارج التاريخ؛ لن تختفي الخلافات بين معارضيه، وربما يكون تأليف حكومة بديلة أمراً صعباً، لكن كل ذلك لا يغيّر حقيقة أن الجمهور لم يمنحه ولم يمنح شركاءه الأغلبية؛ لقد سحقهم. ومَن يختار، على الرغم من ذلك، وصفَ النتيجة بأنها "تعادُل"، عليه أن يوضح أي أصوات استبعدها من الحساب، ولماذا؛ جميع الأصوات متساوية، حتى تلك التي يفضل نتنياهو ألّا نحتسبها.

*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة