الأربعاء 28 تشرين الأول 2026 - 0:02
تدخل إسرائيل مرحلة سياسية حساسة، وسط تساؤلات حول مستقبل بنيامين نتنياهو وإمكان انتقال السلطة في حال خسارته. وفي مقال له في صحيفة "هآرتس"، يحذّر الصحفي والمحلل الإسرائيلي يوسي فيرتر من احتمال عرقلة نتنياهو عملية الانتقال، داعياً معسكر التغيير إلى الاستعداد للتحرك سريعاً وعدم التلكؤ في مواجهة هذا الاحتمال.
وجاء في المقال:
توجهت إسرائيل إلى الانتخابات بعد ثلاثة أعوام و20 يوماً على أكبر "مجزرة" جماعية استهدفت الشعب اليهودي منذ "المحرقة" النازية، وهي نتيجة للإخفاق الأمني والسياسي الأخطر في تاريخ الدولة.
إن رئيس الحكومة، الذي أتاح وقوع هذا الإخفاق، يتنصل من المسؤولية، ولم يشكّل لجنة تحقيق، ومنذ ذلك الحين، ينشغل مع وزراء حكومته بالتستر على الحقائق والتحريض وعرقلة الأدلة.
والآن، يطلب، هو وائتلاف الإخفاق الذي يقوده، تجديد ثقة الجمهور، ويتعهدون بمواصلة الانقلاب على النظام القضائي الذي مزّق الشعب، وأضعفَ قوة الردع، وربما شجّع "حماس" أيضاً على شنّ هجوم 7 أكتوبر.
هذه الحقائق يجب أن يضعها كل ناخب نصب عينيه في هذا اليوم. إن أضرار الانقلاب القضائي وأهوال "المجزرة" لم تعلّم رئيس الحكومة ووزراءه شيئاً، بل إنهم يبدون اليوم أكثر وقاحةً وتحدياً من أي وقت مضى.
هناك آلاف الجنود ما بين قتلى وجرحى ومعوّقين، جسدياً ونفسياً؛ جيش مُنهك ومفكّك؛ جنود احتياط وصلوا إلى أقصى درجات الاستنزاف؛ وجبهات مفتوحة لا تُحصى؛ ومع ذلك، يواصل نتنياهو التمسك بالأحزاب الحريدية المتشددة، ويعِد بإعفاء جماعي من الخدمة العسكرية، ويعارض اعتقال المتهربين من التجنيد.
وصل نتنياهو إلى يوم الانتخابات على رأس معسكر مشتت، مُنيَ بإخفاقات تنظيمية وإدارية قاسية ربما تكلفه الحكم. وحتى الأيام الأخيرة، حاول تأجيل لحظة الحسم، عبر سلسلة من الاستفزازات التي كان من شأنها إشعال جولة قتال جديدة مع إيران. ووفقاً لِما نشرته وسائل الإعلام، أوقف رئيس هيئة الأركان إيال زامير هذه المحاولة، وأقنع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أيضاً بالتدخل، وبحسب التقارير، قال ترامب لنتنياهو "توقّف".
تمثل الحرب مع إيران أكبر إخفاق لنتنياهو على المستوى التاريخي؛ إن اليأس والخوف اللذين يلتهمانه، إلى جانب فقدانه السيطرة على أعصابه بصورة كاملة، يدفعانه إلى الاعتراف بذلك بنفسه، فالرجل الذي تفاخر بعد جولتَي المواجهة السابقتين بأنه أعاد التهديد النووي الإيراني عقوداً إلى الوراء، بات الآن يهدد شعبه بالإبادة والدمار.
إن صورة القنبلة الذرية التي تدمر تل أبيب، وهي القنبلة التي وعد نتنياهو بأنه دمّرها، ولا توجد أدلة على وجودها، لم تُستخدَم فقط لبثّ الرعب والخوف، بل كانت محاولة أخيرة، قبل الانتخابات، لدفع إيران إلى شنّ هجوم مبكر.
يصف نتنياهو قادة كتلة التغيير، وهي أكثر مجموعة خبرة أنتجتها المعارضة الإسرائيلية على الإطلاق، بأنهم "لا شيء ولا قيمة لهم"، بل يصفهم أيضاً بأنهم "فلسطين"..
من بين هؤلاء رئيس هيئة أركان سابق، وأب ثكل ابنه، وعمّ ثكل اثنين من أبناء أشقائه، ورئيسا حكومة سابقان، ووزراء سابقون للدفاع والخارجية والمالية؛ كل هؤلاء أعداء في نظره.
يتوعد شعبه بالعقوبات الاقتصادية، وباقتصاد بديل يلتف على القيود، وبالمدفوعات غير القانونية. ويقول البعض إنه غير مؤهل للمنصب، وأنه مريض، وأمس، انتشر مقطع فيديو يُظهره وهو يجرّ قدمه اليسرى ويستند إلى أحد حراسه.
لطالما اتّسمت تهديداته وتخويفاته، طوال مسيرته السياسية، بعقلية المنفى والشعور بالاضطهاد، وكان أريئيل شارون شبّهه ذات مرة بيهودي خائف يخرج من بين الأشجار بعد مغادرة منفّذي المذابح المعادية لليهود.
لن يحصل نتنياهو على الحرب التي تمنّاها قبل الانتخابات، لكن أمامه فرصة ثانية في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر، أي بعد يوم من انتخابات التجديد النصفي الأميركية؛ فترامب يهدد باستئناف الحرب، ونتنياهو وضع سلاح الجو الإسرائيلي المتفوق تحت تصرُّفه.
بات إبعاد نتنياهو عن الحكم ضرورة وجودية، ولا يوجد وقت لإضاعة الأيام في مفاوضات ائتلافية مطوّلة ومماطلة لا تنتهي؛ يمكنهم تنصيب الحكومة في يوم افتتاح الدورة البرلمانية، في 10 تشرين الثاني/نوفمبر، إن استعادوا رشدهم وتوقفوا عن الشجار فيما بينهم، مثلما فعلوا طوال الحملة الانتخابية؛ المطلوب الاتفاق سريعاً على مرشح لرئاسة الحكومة، وتسريع المفاوضات، وتوزيع الحقائب الوزارية، ثم تبليغ الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ أنهم نجحوا في تأليف الحكومة، في موعد أقصاه 3 تشرين الثاني/نوفمبر. بعد ذلك، يُطلب من رئيس الكنيست تحديد جلسة تنصيب الحكومة في يوم افتتاح الكنيست السادس والعشرين، وإذا تلكّأ، فسيكون على المحكمة العليا إلزامه بذلك. وخلال هذا الأسبوع، ستُعدّ الاتفاقيات الائتلافية وتُطرح على طاولة الكنيست، قبل بدء المناقشة بـ24 ساعة، وفقاً للقانون.
هذا ممكن، وهذا قابل للتحقيق، والأمر يعتمد عليهم وحدهم؛ فإذا تحققت استطلاعات الرأي، ومعظمها يشير إلى ذلك، وحصل مرشح كتلة التغيير على توصيات أكثر من61 عضواً في الكنيست، فلن يحتاج هرتسوغ إلى ممارسة سلطته التقديرية؛ كذلك سيكون للفارق بين الحزب الأكبر في كتلة التغيير، وهو حزب "يشار" حالياً، وحزب الليكود، دور في تشكيل الرأي العام. فحتى شخص مثل ترامب، الذي لا يفهم كيفية تأليف الحكومات في إسرائيل، كما لم يفهم سابقاً كيفية منح العفو، سيدرك أنه إذا حصل الليكود على عدد مقاعد أقل من الحزب المنافس، وكانت موازين الكتلتين في حدود ٧٠ في مقابل 50، فإن نتنياهو يصبح منتهياً سياسياً، ولم يعُد في الإمكان التعويل عليه.
خسر نتنياهو الحكم مرتين، في سنتَي1999 و2021؛ أمّا اليوم، فلديه كثير ممّا يخسره، وهو مستعد لفعل أي شيء؛ على الساحة الداخلية، سيجد نتنياهو المهزوم صعوبة في فرض مغامرة عسكرية غير مسؤولة على رئيس هيئة الأركان، حتى عندما يبقى رئيساً لحكومة تصريف الأعمال وتكون جميع الصلاحيات في يده. وتشير التسريبات الصادرة عن الجيش إلى تغيُّر محتمل في المزاج السائد في داخله.
فبحسب الكاتب العسكري عاموس هرئيل، يرى رئيس هيئة الأركان إيال زامير أن الوقت حان لإنهاء العملية العسكرية في الخليل، لكن نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، المهرّج في الشؤون الأمنية، يطالبانه بمواصلة العملية، وربما يحالفهما الحظ وتندلع انتفاضة في الضفة الغربية؛ فكلما ازدادت إراقة الدماء، كلما كان ذلك أفضل بالنسبة إليهما.
إلى جانب الحملة التقليدية لحثّ الناخبين على التصويت، يعتزم حزب الليكود التشكيك في نتائج الانتخابات، وتجري بصورة منهجية ومكثفة حملة لنزع الشرعية عن لجنة الانتخابات المركزية، وعن نتائج التصويت في المجتمع العربي، وفي معاقل اليسار، وبدأت الاستعدادات لذلك قبل يوم الانتخابات بوقت طويل، عبر حملة دعائية كاذبة وخبيثة استهدفت لجنة الانتخابات.
سمعنا إشارة واضحة إلى ذلك في كلام نتنياهو للمفوض العام للشرطة داني ليفي، خلال الاجتماع الفاسد الذي فرضه عليه، بحضور إيتمار بن غفير؛ لقد سأله عمّا إذا كان يعلم بوجود "ناشطي كابلان" [نسبةً الى الساحة التي تظاهر فيها معارضو الانقلاب القضائي] و"اليسار المتطرف" الذين يستعدون لتعطيل الانتخابات.
سيُطلب من رئيس لجنة الانتخابات، القاضي سولبرغ، والمستشارة القضائية للحكومة غالي بهراف ميارا وفريقها، والمحكمة العليا، مواجهة موجة من التحريض والتشهير لم نشهد لها مثيلاً من ذي قبل؛ من الأفضل الاستعداد لأسوأ الاحتمالات.
*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



