دولي وعربي


هل يدفع الجمهوريون ثمن سياسات ترامب؟

الثلاثاء 27 تشرين الأول 2026 - 0:07

كتبت (كارولين بعيني/ واشنطن)

قبل أيام من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، المقررة في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) تتجه الأنظار إلى واحدة من أهم المحطات السياسية في الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب. فالانتخابات التي ستحدد موازين القوى داخل مجلسي النواب والشيوخ، تتجاوز هذه المرة المنافسة التقليدية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، لتتحول إلى اختبار لمدى رضا الأميركيين عن السياسات الاقتصادية والداخلية والخارجية للإدارة الحالية، وعن الاتجاه الذي تسلكه الولايات المتحدة في مرحلة تتسم بتحولات دولية متسارعة.

تاريخياً، لا تأتي انتخابات التجديد النصفي غالباً في مصلحة الحزب الذي يسيطر على البيت الأبيض. ففي عام 1994، تكبد الحزب الديمقراطي خسائر كبيرة خلال رئاسة بيل كلينتون، وتكرر المشهد عام 2010 عندما فقد الديمقراطيون عشرات المقاعد في عهد باراك أوباما. وتشير التجارب الانتخابية منذ ثلاثينيات القرن الماضي إلى أن حزب الرئيس يخسر في المتوسط نحو 28 مقعداً في مجلس النواب وأربعة مقاعد في مجلس الشيوخ.

لكن التاريخ ليس حكماً نهائياً على نتائج الانتخابات. فقد شهد عام 2022 أداءً أفضل من المتوقع للحزب الديمقراطي، رغم وجود الرئيس جو بايدن في البيت الأبيض. ولذلك، فإن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كان الحزب الجمهوري سيخسر مقاعد، بل حجم هذه الخسائر، ومدى قدرتها على تغيير السيطرة على الكونغرس.

مجلس النواب… الأغلبية الجمهورية على المحك

يدخل الحزب الجمهوري هذه الانتخابات بأغلبية ضيقة في مجلس النواب، وهو ما يجعل موقعه أكثر عرضة للتغيير مقارنة بمجلس الشيوخ، حيث يتمتع بهامش أوسع نسبياً.

وتشير تقديرات «كوك بوليتيكال ريبورت» لشهر سبتمبر 2026 إلى وجود 21 دائرة انتخابية متأرجحة، يشغل الجمهوريون 16 منها. وهذه الأرقام تعكس حجم التحدي الذي يواجهه الحزب الجمهوري في الدفاع عن أغلبيته، خصوصاً في الدوائر التي يتمتع فيها الناخبون المستقلون بدور حاسم.

غير أن المنافسة لا تقتصر على أداء المرشحين أو شعبية الأحزاب، بل تمتد إلى الجغرافيا الانتخابية نفسها.

فقد تحولت إعادة رسم الدوائر الانتخابية إلى إحدى أبرز معارك العام، بعد تحركات في ولايات مثل تكساس وكاليفورنيا وفلوريدا لتعديل الخرائط بما قد يعزز فرص الأحزاب المسيطرة على حكوماتها المحلية.

وبينما دافع الجمهوريون والديمقراطيون عن هذه الخطوات من منطلقات سياسية وقانونية مختلفة، أثارت المسألة تساؤلات حول العدالة الانتخابية، ومدى قدرة إعادة توزيع الدوائر على التأثير في نتائج التصويت قبل أن يتوجه الأميركيون إلى صناديق الاقتراع.

أما مجلس الشيوخ، فتبقى مهمة الحزب الديمقراطي أكثر صعوبة. إذ يحتاج إلى تحقيق مكاسب صافية في أربعة مقاعد، مع الاحتفاظ بمقاعده الحالية، لانتزاع الأغلبية من الجمهوريين.

وتبرز ولايات مثل نورث كارولينا وجورجيا وماين وميشيغان وأوهايو وتكساس بوصفها ساحات رئيسية للمنافسة، حيث قد تتحدد النتائج بفوارق محدودة وبمدى قدرة المرشحين على استقطاب الناخبين المعتدلين.

الاقتصاد… عندما لا تكفي الوعود

يبقى الاقتصاد العامل الأكثر تأثيراً في خيارات الناخب الأميركي، وربما التحدي الأكبر أمام الحزب الجمهوري في الانتخابات المقبلة.

فالرئيس ترامب، الذي عاد إلى البيت الأبيض على أساس وعود بخفض الأسعار وتعزيز الاقتصاد وحماية الصناعة الأميركية، يجد نفسه أمام واقع اقتصادي معقد، تتداخل فيه السياسات الجمركية مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتداعيات التوترات الدولية.

ورغم الأداء الإيجابي الذي سجلته الأسواق المالية في بعض الفترات، فإن الناخب الأميركي يقيس نجاح السياسات الاقتصادية بمعايير أكثر ارتباطاً بحياته اليومية، مثل أسعار المواد الغذائية والوقود والسكن والتأمين الصحي.

وقد أظهرت استطلاعات رأي أوردها التقرير المرجعي تراجع مستويات الرضا عن أداء الإدارة الاقتصادية، وهو مؤشر لا يمكن للحزب الجمهوري تجاهله، خصوصاً أن الانتخابات النصفية تمنح الناخبين فرصة للتعبير عن رضاهم أو استيائهم من سياسات الرئيس، حتى وإن لم يكن اسمه على ورقة الاقتراع.

وهنا تكمن المفارقة السياسية: فالقضايا التي ساعدت ترامب على استعادة البيت الأبيض عام 2024 قد تتحول إلى مصدر ضغط على مرشحي حزبه إذا لم يشعر الأميركيون بتحسن ملموس في أوضاعهم المعيشية.

الحرب مع إيران… السياسة الخارجية تدخل صناديق الاقتراع

لا يمكن قراءة انتخابات 2026 بمعزل عن الحرب مع إيران، التي بدأت في فبراير الماضي، وما رافقها من تداعيات اقتصادية وأمنية تجاوزت حدود الشرق الأوسط.

فالارتفاع في أسعار الطاقة، والاضطرابات في الأسواق الدولية، وتزايد كلفة التوترات العسكرية، كلها عوامل أعادت السياسة الخارجية إلى صلب النقاش الداخلي الأميركي.

ويواجه الحزب الجمهوري تحدياً في التوفيق بين الخطاب الذي قدمه ترامب خلال حملاته الانتخابية، والقائم على تجنب الحروب الخارجية المكلفة، وبين واقع الانخراط الأميركي في مواجهة عسكرية ذات انعكاسات إقليمية ودولية واسعة.

لكن من المهم الإشارة إلى أن السياسة الأميركية تجاه إيران والشرق الأوسط ليست موضع انقسام حزبي مطلق. فالديمقراطيون والجمهوريون يتفقون على بعض المصالح الاستراتيجية، وإن اختلفت مقارباتهم بشأن الوسائل الدبلوماسية والعسكرية وحجم التدخل الأميركي.

ومن منظور شرق أوسطي، تكتسب هذه الانتخابات أهمية خاصة، لأن تغير موازين القوى داخل الكونغرس قد يؤثر في النقاشات المتعلقة بالمساعدات العسكرية والعقوبات والسياسة تجاه إسرائيل وإيران ولبنان.

ومع ذلك، فإن فوز الحزب الديمقراطي بأغلبية تشريعية لا يعني تلقائياً تغييراً جذرياً في السياسة الخارجية الأميركية، بقدر ما قد يؤدي إلى توسيع الرقابة على قرارات الإدارة ومناقشة أولوياتها بصورة أكثر حدة.

الهجرة… قضية انتخابية بوجهين

شكّل ملف الهجرة إحدى الركائز الأساسية لصعود ترامب السياسي، ولا يزال يحظى بتأييد قطاعات واسعة من القاعدة الجمهورية.

إلا أن الإجراءات المشددة لإنفاذ قوانين الهجرة أثارت نقاشات متزايدة حول التوازن بين حماية الحدود واحترام الحقوق الدستورية والإنسانية.

وبينما يركز الحزب الجمهوري على الأمن وضبط الحدود، يسعى الحزب الديمقراطي إلى توظيف الانتقادات الموجهة لبعض أساليب التنفيذ لاستقطاب الناخبين المستقلين والمعتدلين.

وتضاف إلى ذلك الخلافات حول نزاهة الانتخابات، والتصويت بالبريد، وصلاحيات الولايات في إدارة العملية الانتخابية، فضلاً عن القلق المتنامي من انعكاسات الذكاء الاصطناعي على الوظائف والاقتصاد.

وهي ملفات قد لا تحسم النتائج منفردة، لكنها تساهم مجتمعة في تشكيل المزاج السياسي العام.

هل يدخل ترامب النصف الثاني من ولايته بكونغرس منقسم؟

إذا تمكن الحزب الديمقراطي من استعادة مجلس النواب، فستدخل إدارة ترامب مرحلة سياسية مختلفة، تتطلب قدراً أكبر من التفاوض مع خصومها بشأن التشريعات والموازنات، كما ستتعزز قدرة الديمقراطيين على ممارسة الرقابة وفتح التحقيقات البرلمانية.

أما إذا حافظ الحزب الجمهوري على أغلبيته في المجلسين، فسيشكل ذلك انتصاراً سياسياً مهماً لترامب، يمنحه هامشاً أوسع لمواصلة تنفيذ برنامجه خلال العامين المقبلين.

ويبقى احتمال سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ أقل سهولة، نظراً إلى طبيعة السباقات الانتخابية في مجلس الشيوخ، لكنه سيناريو ستكون له تداعيات أوسع على العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

في المحصلة، ليست انتخابات الثالث من نوفمبر مجرد منافسة على المقاعد، وإنما محطة لقياس اتجاه الرأي العام الأميركي بعد عامين من عودة ترامب إلى الرئاسة.

فالحزب الجمهوري يراهن على استمرار دعم قاعدته الانتخابية وقدرته على الدفاع عن سياساته، بينما يسعى الحزب الديمقراطي إلى تحويل التململ الاقتصادي والخلافات السياسية إلى مكاسب انتخابية ملموسة.

وبين الحسابات الحزبية وتحديات الاقتصاد وتداعيات الحرب في الشرق الأوسط، سيبقى الناخب الأميركي صاحب الكلمة الأخيرة.

وقد لا تحدد هذه الانتخابات فقط الحزب الذي سيقود الكونغرس، بل أيضاً مدى قدرة ترامب على مواصلة مشروعه السياسي، وما إذا كان الأميركيون يريدون منحه تفويضاً إضافياً، أم إعادة رسم حدود القوة داخل واشنطن.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة