دولي وعربي


اليد الإسرائيلية المرتجفة تحسم الانتخابات

الجمعه 23 تشرين الأول 2026 - 0:04

تتجه الأنظار في إسرائيل إلى الأصوات المترددة التي قد ترسم ملامح المعركة الانتخابية وتحسم نتائجها، في ظلّ احتدام المنافسة بين المعسكرات السياسية وتزايد أهمية كل صوت في تحديد موازين القوى. في هذا السياق، يسلّط الصحافي الإسرائيلي أمير إتينغر الضوء، في مقالته التي نشرت في صحيفة "يديعوت أحرونوت" تحت عنوان: "اليد المرتجفة:الأصوات التي ستحسم الانتخابات"، على دور الناخبين المترددين في تحديد اتجاهات المشهد السياسي الإسرائيلي.

وجاء في المقال:

كُتب كثيراً خلال الأسابيع الأخيرة عن العوامل التي ستحسم الانتخابات المقبلة، ومن بينها نسبة المشاركة، وأنماط التصويت في المجتمع الحريدي والمجتمع العربي، والناخبون الذين يقترعون لأول مرة، والأصوات التي يمكن أن تضيع بسبب التصويت للأحزاب الصغيرة، فضلاً عن مجموعة واسعة من البيانات والجداول؛ لكن هناك ظاهرة واحدة لا تحظى بالاهتمام الكافي، وهي ظاهرة "اليد المرتجفة" التي تنضم إلى قائمة العوامل المجهولة التي يصعب قياسها، لكنها قادرة على ترجيح كفة الانتخابات.

تُعرف هذه الظاهرة في عالم استطلاعات الرأي باسم "ثقة الناخبين"؛ إذ تبذل الأحزاب ومستشاروها جهوداً كبيرة لمعرفة مدى اقتناع مؤيّديها بخياراتهم، وعدد الذين يمكن وصفهم بأنهم من الشخصيات "الهشّة"، أو المترددين، والذين من المحتمل أن يغيّروا ولاءهم، وغالباً ما يحدث هذا الانتقال داخل المعسكر السياسي نفسه، فتكون أهميته محدودة؛ أمّا السؤال الحاسم، فيتعلق بالناخبين الذين يقفون على الخط الفاصل بين المعسكرَين، وهم الجمهور الذي أُطلقت عليه تسميات عديدة، مثل "المترددين"، و"غير الحاسمين"، و"اليمين المعتدل"، أو وفق المصطلح العسكري الذي يستخدمه أيزنكوت "المنطقة الواقعة بين المعسكرَين". بالنسبة إلى هؤلاء الناخبين، لا تتعلق الثقة بالتصويت بالمفاضلة بين حزب وآخر، بل بالقدرة على عبور الخط الفاصل بين المعسكرَين.

بخلاف الصورة الشائعة، فإن الحملة الانتخابية في إسرائيل ليست مجرد نقاش فكري بين رؤى سياسية واجتماعية ودبلوماسية وأمنية متعددة، وهي  لا تدور فقط حول إخفاقات السابع من تشرين الأول/أكتوبر؛ إنها أيضاً مسألة سوسيولوجية تتعلق بالهوية، وتستند إلى الانقسامات العميقة في المجتمع الإسرائيلي بين المتديّنين والعلمانيين، وبين المحافظين والليبراليين، وبين الطبقات الاقتصادية المتعددة.

إن تغيير التصويت لا يقتصر على الانتقال من نتنياهو إلى أيزنكوت، أو ليبرمان، أو بينت؛ فهذا هو الجزء الأسهل من القرار؛ أمّا القرار الأعمق، فيتعلق بالمجموعة التي تنتمي إليها، وبالأشخاص الذين تعتبرهم شركاءك الأقرب في الصراع على هوية الدولة وشكلها. إن المترددين بين معسكر نتنياهو ومعسكر المعارضة، وهُم الجمهور الذي تسعى الأطراف السياسية لاستمالته، والذي يملك جزءاً كبيراً من الحسم، مطالَبون عملياً بإحداث تغيير حقيقي في عالمهم.

في ظل الاستقطاب في إسرائيل، ربما تؤدي هذه الخطوة إلى صراع داخلي بين الرؤى والقيم ومختلف مكونات هوية الناخب؛ كذلك ربما تتسبب بتوتّر مع أقرب المحيطين به، سواء داخل الأسرة، أم في مكان العمل، أو في الحي الذي يسكنه؛ هنا تدخل ظاهرة "اليد المرتجفة" إلى المشهد.
منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر، يتكرر القول إن أغلبية الجمهور الإسرائيلي تحركت نحو اليمين، وبناءً على ذلك، ربما يكون هناك ناخبون كانوا ينتمون سابقاً إلى الوسط واليسار، لكنهم سيضعون هذه المرة في صناديق الاقتراع أوراقاً انتخابية لأحزاب معسكر نتنياهو، غير أن استطلاعات الرأي، في معظمها، ترسم صورة معاكسة، إذ تشير إلى أن عدد ناخبي الائتلاف، الذين يعتزمون عبور الخطوط إلى المعسكر الآخر، أكبر كثيراً من عدد الناخبين الذين يعتزمون الانتقال في الاتجاه المعاكس، لكن كم من هؤلاء سيُكملون هذه الخطوة حتى النهاية؟ لا أحد يعرف.
ما هو واضح فقط أن يد بعضهم سترتجف، وسيعودون إلى التصويت الذي يتماشى مع محيطهم الاجتماعي، أو بحسب ما يُقال باللغة الدارجة "سيعودون إلى بيتهم"، وهنا تكمن الأهمية السياسية لهذه الظاهرة؛ فاليد المرتجفة تهدد، قبل كل شيء، معسكر المعارضة، الذي تستند نتائجه الجيدة في استطلاعات الرأي إلى أولئك الذين غادروا معسكر نتنياهو؛ هذا الفهم هو ما يوجّه حملة نتنياهو الانتخابية وشركائه، وهُم يكرّسون معظم جهودهم لحملة تخويف، ويحرصون في كل مناسبة على ربط أيزنكوت وليبرمان بيائير غولان ومنصور عباس، والهدف هو إيصال رسالة إلى الناخب المتردد، مفادها بأن الأمر لا يتعلق بالانتقال بين الأحزاب، بل بتغيير المجموعة التي ينتمي إليها.

لأن الجمهور اليميني سئم من الأحزاب الحريدية، يفضّل نتنياهو وشركاؤه تسليط الضوء على الشراكة مع غولان وحزب الديمقراطيين، وعلى رؤيتهم بشأن علمنة المجال العام، ومعارضتهم المشروع الاستيطاني في "يهودا والسامرة" (الضفة الغربية)، بهدف إثارة الخوف من تغيير وجه الدولة.
أمّا في معسكر المعارضة، فتجري الأمور في الاتجاه المعاكس؛ فهُم يسعون لتصوير المعركة الانتخابية كأنها صراع بين الذين يؤدون الخدمة العسكرية والذين يتهربون منها، وتعميق الانقسام بين مؤيدي حزب الليكود والأحزاب الحريدية، وبذلك، يجعلون البقاء في المعسكر السياسي نفسه مسألة تتعلق بالهوية أيضاً، ويجد الناخب اليميني المتردد نفسه مضطراً إلى التساؤل: هل هو مستعد لتمديد التحالف مع المتهربين من الخدمة العسكرية؟ لم تكن هذه الرسالة تهدف إلى إقناع الناخب بقدر ما كانت تهدف إلى تذكيره بالبيئة التي جاء منها، وبالشخص الذي يراقبه عندما يتوجه إلى صندوق الاقتراع.

سيتردد كثيرون من الناخبين في حسم خيارهم، ولن يتخذوا قرارهم النهائي إلّا خلف الستار في غرفة الاقتراع.

*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة