دولي وعربي


الإسرائيليون يتساءلون:لمن تنتمي الدولة؟

الخميس 22 تشرين الأول 2026 - 0:03

 

يرى البروفيسور أشر كوهين، في مقالته المنشورة في صحيفة "يسرائيل هيوم"، تحت عنوان: "الانتخابات تدور حول هذا السؤال: لمن تنتمي الدولة؟" أنّ السؤال الجوهري في الانتخابات الإسرائيلية لا يقتصر على هوية الفائز، بل يتجاوز ذلك إلى تحديد الجهة التي تملك الدولة وتقرّر هويتها ومستقبلها.

وجاء في المقال:

علامَ تدور الانتخابات في جوهرها؟ هناك مَن يقول إن القضية تتعلق بالمساواة في التجنيد العسكري، وهناك مَن يسلّط الضوء على قضية "يهودا والسامرة" (الضفة الغربية)، بينما يتحدث آخرون عن صلاحيات الجهاز القضائي، لكن طبعاً، هناك دائماً شعار "فقط ليس نتنياهو"، الذي يرافقنا منذ دورات انتخابية عديدة.

إلّا إن هناك سؤالاً محورياً بالغ الأهمية يتجاوز كل هذه القضايا، وانفجر بكل قوته خلال سنة الصراع على الإصلاحات القضائية، واستمر حتى خلال أعوام الحرب الثلاثة: لمن تنتمي الدولة؟
من الإجابات المهمة عن هذا السؤال مقولة أبراهام لينكولن الشهيرة في خطاب غيتيسبيرغ: "حكومة الشعب، ومن الشعب، ومن أجل الشعب."

عرّف البروفيسور آفي ديسكين، في كتاب التربية المدنية "النظام السياسي والسياسة في إسرائيل"، الديمقراطية بمعناها الواسع، استناداً إلى كلمات لينكولن، بأنها نظام حكم يكون فيه المواطنون أصحاب السيادة، وينتخبون السلطة في انتخابات تنافُسية، والتي تكون مُلزمة تجاه الحفاظ على حقوق المواطنين الأساسية؛ وبالتالي، فإن الدولة ملكٌ للشعب، ويجب تقييم كل تطوُّر وكل خطوة، وفقاً لمدى توافُقهما مع هذه المبادئ الأساسية.

حق اتخاذ القرار الأخير

ينبثق من تعريف الديمقراطية أن حق اتخاذ القرار الأخير بشأن القرارات والسياسات يعود إلى ممثلي الشعب الذين انتخبهم المواطنون لتحقيق قيَم وسياسات محددة. ويجب التأكيد فوراً أن حق اتخاذ القرار الأخير لا يعني أن في إمكان الأغلبية أن تقرر أي شيء تريده، فهذا هو المقصود بعبارة "من أجل الشعب"؛ أي إن هناك حقوقاً أساسية لا يجوز للأغلبية المساس بها.
لقد كشفت سنة الصراع على الإصلاحات القضائية، قبل الحرب، واستمرار الصراعات خلال أعوام الحرب الثلاثة، وبكل وضوح، أن المبادئ الأساسية للديمقراطية باتت موضع شك وتساؤل.
في سياق الاحتجاجات، رُفعت الحجة القائلة "إن الأغلبية لا تستطيع أن تفعل ما يحلو لها". هذه كانت إحدى الوسائل المتعددة المستخدمة بهدف الهجوم السياسي، كأن أنصار المعسكر الوطني لا يفهمون أن هناك حقوقاً محمية، وكأن الإصلاحات القضائية تهدف إلى المساس بهذه الحقوق؛ وبعكس ذلك، ترسّخت لدى كثيرين من المشاركين في الاحتجاجات قناعة، مفادها بأن الأقلية تستطيع أن تفعل ما تشاء.

لكن الأمر لا يتعلق بأقلية مستضعفة تفتقر إلى الموارد ولا تستطيع الوصول إلى مراكز النفوذ؛ فعلى الرغم من فقدان هذه الأقلية هيمنتها السياسية قبل نحو خمسين عاماً، خلال التحول السياسي الذي شهدته إسرائيل، فإنها بقيت مسيطِرة على مراكز نفوذ أُخرى، وعملت على تعزيز سيطرتها عليها، وعندما تعذّر عليها تحقيق النصر، عبر صناديق الاقتراع، نقلت صلاحيات الحسم إلى النيابة العامة والمحكمة، حيث تعززت هذه السيطرة بدرجة كبيرة؛ وهكذا نشأ تشوّه ديمقراطي لا مثيل له في أي ديمقراطية غربية.

نشر البروفيسور الراحل شلومو أفينيري، أحد أبرز علماء العلوم السياسية في إسرائيل، قبل عقود، انتقاداً حاداً للصلاحيات الواسعة جداً التي يتمتع بها المستشار القانوني للحكومة، وذلك قبل أن تتكشف الأمور الصادمة في محاكمة نتنياهو.

في الماضي، عندما كان الحديث يدور حول ثقافة عدم الامتثال للقانون في إسرائيل، أي الاستخفاف بسيادة القانون، كان من الواضح أن النيابة العامة هي الجهة المسؤولة عن حماية القانون في هذا المجال؛ أمّا اليوم، فبات يتضح مدى عُمق ثقافة عدم الامتثال للقانون لدى أولئك الذين يصفون أنفسهم، حتى من دون أي مفارقة ساخرة، بأنهم "حراس البوابة"؛ أي إنهم المسؤولون المكلّفون حماية مؤسسات الدولة وضمان عملها، وفقاً للقانون.

برزت ظواهر متطرفة بين الذين يرفعون أصواتهم، دفاعاً عن الديمقراطية، لا يمكن التسامح معها في نظام ديمقراطي، وذلك في إطار محاولات فرض قيود على حكومة منتخَبة ومنعها من ممارسة حقها في رسم السياسات وتنفيذها؛ إذ هتف المحتجون في تظاهرات وُصفت بأنها سلمية، لكنهم توجهوا في الوقت نفسه إلى جهات في الخارج بهدف منع استقبال رئيس الحكومة في زيارة رسمية.

كذلك تحوّل رفض الخدمة العسكرية، الذي كان يحظى في السابق بمعارضة واسعة، إلى أداة ضغط وتهديد، وصل الأمر بها إلى الإضرار بالجاهزية العملياتية للجيش.

ودعا اقتصاديون إلى سحب الاستثمارات من إسرائيل، فيما يشبه حركة مقاطعة إسرائيلية داخلية على غرار حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات(BDS).

جرى هذا كله بتشجيع من مسؤولين كبار سابقين، وبدعم واسع من وسائل الإعلام والأوساط الأكاديمية، وصولاً إلى تنظيم مؤسّسي شارك فيه رؤساء الجامعات.

إن انتصار معسكر اليسار يعني السيطرة الكاملة على جميع مراكز النفوذ، بما فيها المركز السياسي، وهو مركز النفوذ الوحيد الذي يستطيع فيه المعسكر الوطني تحقيق الأغلبية، وبذلك تتم موازنة سيطرة الطرف الآخر على بقية مراكز القوة والتأثير.

وأياً كان شكل الحكومة المقبلة، يتعين على المعسكر الوطني أن يضمن، في الحد الأدنى، تشكيل كتلة برلمانية قادرة على منع الطرف الآخر من الحصول على أغلبية، حتى يكون الحكم، بمعناه الواسع، بحسب ما وصفه لينكولن: "حكومة الشعب، ومن الشعب، ومن أجل الشعب."

*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة