دولي وعربي


ترامب والصفقة مع "إيران"

الاثنين 3 آب 2026 - 0:04
تحت عنوان: "ترامب لم يأتِ لينتصر على إيران، بل ليعقد صفقة"، كتب الباحث والمؤرخ الاسرائيلي إيال زيسر مقالة في صحيفة "يسرائيل هيوم" جاء فيها: كل مَن يملك عينين يرى بهما وعقلاً يفكر فيه، والإيرانيون لديهم عينان وعقل أيضاً،  يدرك أن دونالد ترامب لا يريد استئناف الحرب ضد إيران، وأنه نسيَ أصلاً الأسباب التي دفعته إلى خوضها في المقام الأول.
 
لقد كان الهدف المعلن القضاء على المشروع النووي الإيراني وإسقاط نظام الملالي في طهران، لكن كل ما يريده ترامب الآن هو التوصل إلى اتفاق، يكاد يكون بأي ثمن، يضمن فتح مضيق هرمز أمام الملاحة وخفض أسعار الوقود في الولايات المتحدة. وباختصار، ترامب يريد طيّ ملف إيران وتركه خلفه.
 
منذ منتصف الشهر الماضي، نفّذ ترامب ضربات جوية "شكلية" ضد أهداف في جنوب إيران، استهدفت مواقع لا تتمتع بأهمية استراتيجية، ومعظمها سبق أن تعرّض للقصف، أكثر من مرة، خلال الحرب التي دارت في شهر آذار/مارس الماضي.
 
آنذاك، تفاخر ترامب بأن القوة العسكرية الإيرانية دُمّرت، وأن إيران أصبحت من دون سلاح جو، ومن دون بحرية ( إيران لم تكن تمتلك أصلاً قوة بحرية، أو جوية، مؤثرة قبل الحرب)، لكن الأحداث أثبتت أن إيران ما زالت تحتفظ بقدرات عسكرية، وأنها لا تتردد في استخدامها ضد دول الخليج، وضد القوات الأميركية المتمركزة فيها.
 
هناك مقولة تفيد بأنه "إذا كنت تريد إطلاق النار، فاطلق النار،" أمّا  إذا لم تكن تنوي فعلاً خوض حرب، فمن الأفضل ألّا تطلق التهديدات، لأن الجميع سيدرك سريعاً أنها تهديدات فارغة، وهو ما يؤدي إلى فقدان ما تبقى من الهيبة والردع في المنطقة.
 
يعيش  ترامب في واقع منفصل عن الأرض، ويكرر القول إن الإيرانيين يتوسلونه من أجل إبرام اتفاق، في حين أن الإدارة الأميركية هي التي تبدو أكثر استعجالاً وإصراراً على التوصل إلى اتفاق يطوي الملف الإيراني؛ ترامب يتحدث أيضاً عن مطالبة السعودية بالانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، في مقابل منحها مشروعاً نووياً، بينما الاتفاق مع السعودية أُنجز فعلاً، ولم يبقَ سوى تنفيذه.
 
إن ما يثير القلق أكثر هو التبريرات التي يقدمها ترامب للتغييرات المتكررة والحادة في مواقفه، والتي تصل أحياناً إلى انقلاب كامل في السياسة. هذه الأمور كلها، كما نعلم، هي نتيجة التقلبات في مزاجه وكيف يبدأ يومه.
 
كان من الممكن الاستخفاف بتصريحات دونالد ترامب – الذي كثيراً ما يقول في الجملة الواحدة الشيء ونقيضه – لولا أن محصلتها النهائية محزنة وخطِرة في آنٍ معاً؛ فعندما يبدأ الناس بالنظر إلى رئيس الولايات المتحدة على أنه موضع سخرية، فإن ذلك يدعو إلى القلق، ولا سيما بالنسبة إلى إسرائيل، لأن الدعم الأميركي يُعتبر أحد الأعمدة الأساسية في بناء قوة إسرائيل. ومَن في المنطقة يمكنه أن يأخذ  على محمل الجد الترهات العلنية التي تصدر عن ترامب بشكل شبه يومي.
 
إن تصريحات ترامب، مثل قوله إن إسرائيل تنفّذ تماماً ما يطلبه منها، أو أنها ستنضم إلى أي حرب يقرر شنّها على إيران خلال دقيقتين، تُظهر إسرائيل كأنها "جمهورية موز" تطيع أوامر سيدها من دون نقاش. وهذا ليس مجرد إهانة، بل يضرّ بإسرائيل أيضاً، لأن دول المنطقة ترى هذه التصريحات، وتستنتج أنه يمكن ممارسة الضغوط على إسرائيل، أو استهدافها، في ظل مباركة ضمنية من ترامب.
 
يمكن أن نخلص من هذا كله إلى نتيجة واحدة، وهي أن إسرائيل لا ينبغي لها التعويل على ترامب لإنقاذها، بل يجب أن تستعد لاحتمال أن تضطر إلى مواجهة التحديات الأمنية المحيطة بها بمفردها، إلى جانب التعامل مع الضغوط والقرارات التي ربما يفرضها ترامب، مثل المطالبه بالانسحاب من سورية ولبنان وقطاع غزة.
 
لا يرغب ترامب  في خوض حرب مع إيران؛ وحتى لو اندلعت جولة جديدة من المواجهة، فإن هدفه الأساسي سيكون إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات؛ لذلك من الخطأ أن تنساق إسرائيل، تلقائياً، وراء أي تحرّك أميركي يمكن ألّا يخدم مصالحها، بل ربما يضرّ بها ويُضعف موقفها.
 
في الواقع، إن أي جولة مواجهة مع إيران تنتهي مثلما انتهت سابقاتها، باتفاق مشكوك فيه، ولن تؤدي إلى تحسين الوضع الأمني لإسرائيل؛ وربما ينبغي لنا نحن أيضاً أن ندرك، مثلما أدرك الإيرانيون منذ وقت طويل، أن لترامب تاريخ انتهاء صلاحية سياسي، وأن المطلوب هو كسب الوقت حتى ذلك الحين والاستعداد لليوم الذي يليه.
 
*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية


جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة