الجمعه 31 تموز 2026 - 0:08
في ظل التصعيد المستمر بين إيران وخصومها، تتزايد التساؤلات حول المسارات المحتملة للأزمة، وسط إدراك متزايد بأن أي خيار مطروح يحمل كلفة سياسية أو عسكرية أو اقتصادية. وبين التصعيد والتفاوض، تبرز أربعة سيناريوهات رئيسية، من دون أن يلوح في الأفق حلّ مثالي يرضي جميع الأطراف.
تحت عنوان: "المواجهة مع إيران: 4 احتمالات، وما من حلّ مثالي" كتب الصحفي والمحلل السياسي الإسرائيلي في صحيفة "معاريف" دان بيري مقالة جاء فيها:
عرض رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على الرئيس دونالد ترامب، في أثناء لقائهما الأخير، معلومات استخباراتية تفيد بأن إيران تعيد بناء أجزاء من برنامجها النووي، فيما يبدو كأنها محاولة إسرائيلية لدفع الولايات المتحدة إلى استئناف الحرب بشكل كامل. والقرار بات في يد ترامب إلى حدٍّ كبير، ولا أحد يعرف إلى أين ستتجه الأمور، لكنني أرى أن هناك 4 مسارات محتملة.
الخيار الأول:يتمثل عملياً في قبول المطالب الإيرانية؛ فطهران ستفرض ثمناً في مقابل عبور مضيق هرمز، وستقدم تنازلات محدودة جداً في الملف النووي، ولن تتخلى مطلقاً عن شبكة الميليشيات والصواريخ الباليستية التابعة لها، وستحتفظ عملياً بحُرية قمع مواطنيها بالقوة؛ وسترحّب الأسواق بانخفاض مستوى المخاطر على الفور، إذ ستعود أسعار النفط وتكاليف التأمين إلى مستوياتها الطبيعية، وسيتنفس المستثمرون الصعداء، لكن الثمن الاستراتيجي سيكون باهظاً، إذ ستستنتج الأنظمة السلطوية أن سياسة الابتزاز تؤتي ثمارها، وستصبح نقاط الاختناق البحرية الأُخرى أكثر عرضةً للتهديد، بينما سيخرج النظام الإيراني أكثر قوةً، وسيكون الهدوء موقتاً؛ أمّا الضرر الذي سيلحق بعامل الردع فسيكون طويل الأمد.
الخيار الثاني:هو استئناف حرب الاستنزاف وفق النمط الذي ساد بين شباط/فبراير ونيسان/أبريل، وستعود المواجهة إلى دائرة الضربات العسكرية والاعتراضات والردود المتبادلة والتصعيد التدريجي. ومن المرجح أن يمضي الإسرائيليون وقتاً في الملاجئ، لكن هل يستحق ذلك؟ فحروب الاستنزاف غالباً ما تصبّ في مصلحة الأنظمة الديكتاتورية القائمة على أيديولوجيات متطرفة؛ فالديمقراطيات مقيدة بالرأي العام والاقتصاد والانتخابات، بينما تستطيع الأنظمة الثورية تحمُّل دمار هائل يلحق بمواطنيها ما دامت قادرة على الحفاظ على سلطتها، عبر القمع. وهذا تحديداً ما أثبتته إيران حتى الآن.
يمكن محاولة زيادة الضغط، عبر السيطرة على أصول استراتيجية، مثل المنطقة المحيطة بمضيق هرمز، أو جزيرة خرج، التي تضم محطة تصدير النفط الرئيسية في إيران، لكن هذا الخيار أيضاً يفترض أن النظام الإيراني سيقتنع بتغيير مساره، في حين أن التجربة مع إيران، وكذلك مع "حماس" وحزب الله والحوثيين، تشير إلى أن هذا الافتراض موضع شك كبير؛ فالجماعات الجهادية ليست من النوع الذي يقتنع بسهولة.
في الوقت نفسه، تزداد التساؤلات العملية؛ فمخزون الولايات المتحدة من الصواريخ الاعتراضية محدود؛ ودول الخليج، التي تعتمد اقتصاداتها على الاستقرار، لا ترغب في حرب طويلة الأمد يمكن ألّا تحقق سوى مكاسب تدريجية؛ والصراع الممتد يواصل تعطيل التجارة العالمية وأسواق الطاقة، ويرفع بالتدريج أيضاً التكلفة السياسية التي ستضطر أي إدارة أميركية إلى تحمُّلها على الصعيد الداخلي.
الخيار الثالث:تغيير طبيعة المواجهة بالكامل، عبر فرض حصار اقتصادي ومالي خانق، فبدلاً من تبادُل الضربات العسكرية بلا نهاية، تفرض الولايات المتحدة وشركاؤها حصاراً برياً وبحرياً وجوياً شاملاً، فضلاً عن فصل إيران بالكامل عن النظام المالي الدولي، وهو ما يؤدي إلى شلّ التجارة الإيرانية، وانهيار إيرادات النظام، ويصبح العزل الاقتصادي السلاح الرئيسي في المواجهة.
سيكون هذا الخيار بالغ القسوةمن الناحية الإنسانية؛ إذ سيؤدي النقص في المياه والطاقة والغذاء والأدوية إلى الإضرار بالمواطنين الإيرانيين قبل غيرهم، وسيتطلب الأمر استعداداً مسبقاً لتقديم مساعدات دولية والتعامل مع موجات لجوء محتملة إلى الدول المجاورة؛ كذلك سيدفع العالم ثمناً، هو الآخر؛ إذ ستظل الملاحة في الخليج مهددة، وستبقى أسعار الطاقة مرتفعة، وربما يتصاعد "الإرهاب" المدعوم من إيران، وسيُطلب من الرأي العام في الدول الغربية تحمُّل أعباء اقتصادية لفترة طويلة.
غير أن مؤيدي هذا الخيار يطرحون حجة بسيطة: بخلاف حرب الاستنزاف، ربما يكون هذا النهج قادراً فعلاً على التسبب بانهيار النظام.
الخيار الرابع: هو التخلّي عن أي نهج تدريجي والإعلان بصراحة أن الهدف من الحرب هو تغيير النظام. ومن الناحية التاريخية، تُعد هذه الاستراتيجيا، في الأغلب، خياراً سيئاً، لكن في المقابل، نادراً ما يواجه العالم نظاماً مثل الجمهورية الإسلامية في إيران. وفي هذه الحالة، ستتوسع العمليات العسكرية بسرعة لتستهدف مؤسسات الحكم نفسها، على أمل التسبب بانهيار سريع للنظام، بدلاً من الانجرار إلى حرب استنزاف طويلة. ومن الأفضل، بحسب هذا الطرح، محاولة الإبقاء على الجيش الإيراني سليماً بقدر الإمكان، لأن حدوث انقلاب عسكري سيقود في نهاية المطاف إلى قيام نظام مدني ديمقراطي، وربما يكون أفضل مخرج ممكن.
يرى مؤيدو هذا النهج أن الحسم الكامل وحده قادر على إنهاء عقود من عدم الاستقرار الإقليمي، الذي يغذيه، بحسب رأيهم، كلٌّ من البرنامج النووي الإيراني والدعم الذي تقدمه طهران لحلفائها ووكلائها في مختلف أنحاء الشرق الأوسط. وفي نظرهم، سيكون ذلك أيضاً هدية للشعب الإيراني نفسه، الذي يُعتقد أنه، في أغلبيته العظمى، يكره النظام ويعيش في خوف منه.
لكلّ خيار من هذه الخيارات الأربعة ثمن باهظ. والسؤال الحقيقي هو: أيّ خيار منها يقلّص التكلفة المستقبلية؟ وفي رأيي، إن الحصار الشامل هو الخيار الأقل سوءاً؛ أمّا العودة إلى حرب الاستنزاف، وهي الدينامية التي صُمم النظام الإيراني أصلاً ليتفوق فيها، فهي الخيار الأسوأ.
متى سيأتي الحسم؟
سيكون للتقويم السياسي تأثيره؛ فمن المرجح أن يفضّل الرئيس دونالد ترامب تأجيل اتخاذ القرار إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر، لأنه سيكون بعد ذلك أكثر حريةً في المناورة. فلا يوجد أي خيار يضمن له مكسباً سياسياً فورياً، وأي اتفاق يُعتبر تنازلاً لإيران سيُصوَّر على أنه دليل ضعف، في حين أن خيار استئناف الحرب سيكون غير شعبي لدى الرأي العام الأميركي الذي سئم الحروب في الشرق الأوسط؛ كذلك يمكن أن تظهر التداعيات الاقتصادية لأيٍّ من البدائل قبل موعد الانتخابات، بما يمكن أن يضرّ بالحزب الجمهوري؛ أمّا إسقاط النظام الإيراني، فهو وحده قد يحقق مكسباً سياسياً واضحاً، لكنه يبقى رهاناً كبيراً.
لهذا، إذا كان للتأجيل منطق سياسي مفهوم، فإنه يكاد يخلو من أي منطق استراتيجي، لأنه يمنح إيران وقتاً إضافياً لإعادة بناء قدراتها، ويطيل أمد حالة عدم اليقين بالنسبة إلى الحلفاء والأسواق، وربما يؤدي في النهاية إلى تقليص الخيارات المتاحة أمام واشنطن مستقبلاً. ويبدو كأن هذا ما حاول بنيامين نتنياهو شرحه لترامب، وخصوصاً أنه يسعى، بلا شك، إلى تحقيق تطوُّر كبير – أيّاً كان – في ظل وضعه الصعب في استطلاعات الرأي.
ولا بد أيضاً من توجيه ملاحظة نقدية إلى حملة الضغط التي يقودها نتنياهو؛ فمن المستغرب أنه انتظر حتى موعد اللقاء ليعرض تلك المعلومات الاستخباراتية. فإذا كانت معلومات جديدة فعلاً وذات أهمية استراتيجية، فكان يجب أن تُنقل فوراً بين الحلفاء، وليس انتظار اجتماع علني يحظى بتغطية إعلامية واسعة، وتزداد إشكالية ذلك التوقيت، لأن ترامب شديد الحساسية تجاه أي انطباع يوحي بأنه يتصرف تحت تأثير نتنياهو.
في الولايات المتحدة، يتعزز أصلاً الشعور بأن إسرائيل تدفع واشنطن نحو حرب جديدة في الشرق الأوسط، وهذا الخطاب يزيد في تآكل صورتها لدى الرأي العام الأميركي. وهذه الساحة تعاني أصلاً من أزمة كبيرة؛ فكثيرون من الأميركيين يخشون أن تجرّهم إسرائيل إلى حرب، كما أن المواجهة الحالية لا تحظى بتأييد شعبي واسع؛ لذلك، من المهم أن تتحلى إسرائيل بأقصى درجات الحذر في الطريقة التي تعرض بها مواقفها وجهودها لإقناع صنّاع القرار في واشنطن.
لكن، حتى لو كان هذا الأمر يسبب حرجاً للأميركيين، وبغض النظر عن جميع الخلافات التكتيكية، تبقى حقيقة واحدة ثابتة: النظام الإيراني يشكل تهديداً للشعب الإيراني، وللشرق الأوسط، وللعالم بأسره. وعلى غرار كل إمبراطورية، أو كل قوة تسعى لتصبح إمبراطورية، فإنها ستزول في نهاية المطاف؛ وفي هذه الحالة، من الأفضل أن يحدث ذلك، عاجلاً، وليس آجلاً.
*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



