الخميس 30 تموز 2026 - 0:07
تحت عنوان: "من السابق لأوانه الحديث عن تراجُع نفوذ نتنياهو في واشنطن، لكن ترامب بعث بإشارات توحي بالابتعاد عن موقف إسرائيل" كتب المحلل العسكري لصحيفة "هآرتس"، عاموس هرئيل مقالة جاء فيها:
من المبكر جداً معرفة ما جرى خلف الأبواب المغلقة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وفي أي حال، من الأفضل الحذر من إضفاء أهمية مفرطة على التصريحات المتكررة لرئيس الولايات المتحدة، لكن الأجواء التي هبّت من واشنطن، عشية زيارة رئيس الوزراء للبيت الأبيض، كانت باردة إلى حدٍّ ما.
بحسب التقارير الواردة من الولايات المتحدة وإسرائيل، لم يكن ترامب متحمساً أصلاً لاستقبال نتنياهو، ولم يوافق في النهاية على عقد اللقاء إلّا بسبب وصول رئيس الحكومة إلى واشنطن للمشاركة في جنازة السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام. وكان هذا اللقاء بالغ الأهمية بالنسبة إلى نتنياهو، سواء لأسباب استراتيجية تتمثل في أمله بالتأثير في التحركات المتعلقة بإيران، أو لأسباب انتخابية تتعلق بإبراز علاقته الشخصية بترامب.
لكن تصريحات الرئيس الأميركي، بقدر ما يمكن الاستدلال منها، تعكس تباعداً في المواقف بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ورغبة من المضيف في إظهار أنه لا يتأثر إلى حدٍّ كبير بمواقف ضيفه. وفي سياق آخر، قال ترامب هذا الأسبوع إن القرار بشأن تزويد تركيا بطائرات F-35 المتطورة يعود إليه وحده، على الرغم من التحفظ العلني الذي أبداه نتنياهو، ومع ذلك، فمن المبكر الحديث عن تراجُع نفوذ نتنياهو في واشنطن. لقد تكررت التوقعات المتشائمة بهذا الشأن قبل كل زيارة له للولايات المتحدة، وفي معظم الحالات، تبيّن في النهاية أن ترامب أخذ بتوصيات رئيس الحكومة الإسرائيلي؛ إلّا إن المميز هذه المرة هو ما جرى قبل خمسة أشهر، عندما قرر ترامب، في نهاية شهر شباط/فبراير، خوض الحرب الثانية ضد إيران، متأثراً بنتنياهو، الذي عرض عليه أيضاً خطة لإسقاط النظام في طهران بمساعدة جهاز الموساد والميليشيات الكردية. هذه الخطوة أدت إلى تورُّط الولايات المتحدة لفترة طويلة في منطقة الخليج، ولا يزال الرئيس يجد صعوبة في الخروج من هذا الوضع، الأمر الذي ربما ألقى بظلاله على العلاقة بين الرجلين.
وكان ترامب أجرى مقابلة مع شبكة فوكس نيوز قبل ساعات من لقائه نتنياهو، وسُئل عن التقارير التي أفادت بأن ضيفه سيعرض عليه معلومات استخباراتية جديدة بشأن التحركات الإيرانية في "جبل الفأس" ضمن إطار البرنامج النووي الإيراني، فردّ الرئيس بلهجة حادة، قائلاً إن "جبل الفأس ليس مشكلة كبيرة، ونتنياهو يتحدث معي عنه، فقط لأنه يريد أن يكون طرفاً في الموضوع." وأضاف ترامب: "أنا أعرف تماماً ما الذي يجري هناك." كذلك أوضح أن المفاوضات مع الإيرانيين ستستمر.
وبدت الرسالة هذه المرة واضحة إلى حدٍّ كبير: فالولايات المتحدة تمنح في الوقت الراهن فرصة جديدة للتوصل إلى اتفاق مع إيران، وترامب ليس مقيّداً بنصائح نتنياهو، ومن المؤكد أنه لا يتلقى منه تعليمات.
حتى لو كان هذا هو شكل الواقع، فلا يزال لدى إسرائيل هامش محتمل للتأثير في الموقف الأميركي. وفي ظل غياب هجوم عسكري جديد، يبقى السؤال: ما هي أدوات الضغط الاقتصادي التي يمكن الاستمرار في استخدامها ضد النظام الإيراني (على سبيل المثال، عبر فرض حصار من الجهة الجنوبية لمضيق هرمز)، وما هي النقاط التي يجب الإصرار عليها خلال المفاوضات بشأن البرنامج النووي؟
في المقابل، يبدو كأن الجانب الإسرائيلي يرتكب عدداً من الأخطاء؛ إذ شارك وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أمس في مؤتمر نظمته القناة 14، وتحت تأثير الأجواء المؤيدة التي أحاطت به، اعتقد أنه يستطيع تجاوُز قيود الرقابة العسكرية، فقال إن بعض الطائرات الأميركية التي شاركت في الضربات الأخيرة على إيران انطلق من قواعد تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي. يمكن أن يكون لدى كاتس حسابات تتعلق بالانتخابات التمهيدية داخل حزب الليكود، فهو يحتاج إلى لفت الأنظار وسط ساحة مكتظة بالمرشحين المتنافسين على تأييد أعضاء الحزب، لكن الضرر الناجم عن تصريحاته لا يقتصر على اعتبارات لها علاقة بأمن المعلومات، فهذه ليست المرة الأولى التي تبدو فيها الحكومة الإسرائيلية، بما في ذلك الدائرة المقربة من رئيس الحكومة، والآن أيضاً وزير الدفاع، كأنها تستفز الإيرانيين، وربما تكون محاولة لدفعهم إلى شن هجوم على إسرائيل، الأمر الذي يبرر توجيه ضربة إسرائيلية مضادة، بموافقة أميركية.
هذه الخطوة لم تكن الوحيدة التي قام بها كاتس أمس، والتي بدت متأثرة باعتبارات سياسية؛ لقد عقد وزير الدفاع اجتماعاً تشاورياً مع كبار مسؤولي المؤسسة الأمنية، أعقبه إعلان بشأن سلسلة من الإجراءات الهجومية الإضافية في الضفة الغربية، وذلك في أعقاب الحادث الذي وقع غربي نابلس يوم الجمعة الماضي، وأسفر عن مقتل اثنين من الإسرائيليين وأربعة فلسطينيين.
من بين الإجراءات التي أعلنها كاتس إعطاء الأوامر للجيش من أجل السيطرة على مخيم لاجئين آخر في الضفة الغربية وإخلائه من سكانه، وهي خطوة تثير إشكالات كبيرة من منظور القانون الدولي؛ وفي الوقت نفسه، أصدر تعليماته بإلغاء القيود المفروضة على ينون دردِك، وهو مستوطن كان مشتبهاً في تورُّطه في أعمال عنف خطِرة ضد فلسطينيين.
تكمن وراء التوتر الأخير، وكذلك الحادث الذي وقع في منطقة نابلس، حالةٌ من التصعيد المستمر بين المستوطنين المقيمين بالمزارع والبؤر الاستيطانية وبين سكان القرى الفلسطينية المجاورة. وكان من المفترض أن يشكل ذلك دافعاً لاتخاذ موقف أكثر صرامةً حيال المتطرفين اليهود، إلّا إن كاتس يرى الأمر بصورة مغايرة؛ فعندما تولّى منصب وزير الدفاع في أواخر سنة 2024، خلفاً ليوآف غالانت، كان من أوائل قراراته إلغاء استخدام الاعتقال الإداري بحق اليهود في الضفة الغربية. والاعتقال الإداري يُعتبر إجراءً مثيراً للجدل، لكن قرار الاستمرار في استخدامه على نطاق واسع ضد الفلسطينيين، مع إعفاء اليهود منه بالكامل، عكسَ تمييزاً عنصرياً واضحاً.
في ظل عدم إمكان إصدار أوامر اعتقال إداري، حاول جهاز الشاباك اللجوء إلى بدائل، عبر إصدار أوامر تقييد الحركة؛ وكذلك أوامر الإبعاد عن المنطقة بحق ناشطين اعتُبروا شديدي الخطورة؛ وهذا ما حدث في قضية ينون دردِك، الذي أُوقِف بعد مخالفته أمر الإبعاد الصادر بحقه. وكان كاتس التقى هذا الأسبوع المستوطن المذكور، ثم قرر أن هذه الإجراءات أيضاً مبالَغ فيها، وأعلن عدم تمديد أمر الإبعاد، على الرغم من أن صلاحية توقيع هذا النوع من الأوامر تقع أصلاً ضمن مسؤولية قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي. إن مثل هذه الإشارات المتسامحة مع عنف اليهود يجعل من غير المستغرب أن يشعر الناشطون الإرهابيون في المستوطنات بالحماية، ثم يواصلون أعمالهم.
*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



