دولي وعربي


كلام إسرائيلي خطير: تدخل أجنبي لحماية الفلسطينيين

الثلاثاء 28 تموز 2026 - 0:06

تحت عنوان: "ليس من السهل كتابة ذلك؛ لكن هناك حاجة إلى تدخّل أجنبي لحماية الفلسطينيين"، كتب عالم الاجتماع المتخصص في الاقتصاد السياسي وعلاقات العمل بجامعة بريستول آساف بوندي، والمؤرخ والباحث في معهد "عكيفوت" لبحوث الصراع الإسرائيلي والفلسطيني آدم راز مقالة مشتركة في صحيفة "هآرتس" جاء فيها:

فتح الجيش الإسرائيلي عشرات التحقيقات بشأن وفاة فلسطينيين من غزة في أثناء احتجازهم، لكن لم يُقدَّم أي شخص إلى المحاكمة، وفقاً لِما نشرته صحيفة "هآرتس"، وفي معظم هذه التحقيقات، لا يعرف الجيش مَن هم المشتبه فيهم، أو متى حدثت الوفاة، على الرغم من أن الأحداث جرت داخل منشآت مغلقة ومحاطة بالأسوار ومراقبة بالكاميرات، حيث يتم تسجيل دخول وخروج جميع الأشخاص ومتابعتهم بدقة طوال فترة وجودهم فيها.

هذا ليس خللاً و"فشلاً مؤسساتياً"، بل هو نظام يهدف إلى إنتاج الجهل لدى المواطنين؛ فالنظام الذي لا يستطيع معرفة كيف توفي شخص كان مسؤولاً عن حمايته ولماذا، ليس نظام تحقيقات فاشلاً، بل نظام تتمثل وظيفته في منع معرفة الحقيقة. ويعرف المواطنون أنه من الأفضل لهم عدم معرفة ما يحدث خلف الأسوار العالية.

إن عناصر الآلية التي تسمح بوقوع هذه الجرائم معروفة؛ إذ ينسّق الجنود، أو أفراد الشرطة المتورطون شهاداتهم، ويُوصَم الشهود الفلسطينيون بالكذب، وتختفي الأدلة، وتُفتح التحقيقات – إن فُتحت أصلاً – بعد تأخير يضمن أن تنتهي من دون نتائج، بينما لا يحتاج المدعي العسكري سوى إلى الانتظار لكي يعلن وجود "صعوبات في الأدلة".

هذه الطريقة تميّز الأنظمة الإجرامية، حيث لم يعُد من الضروري إصدار أوامر صريحة؛ فصاحب الأمر يقول أقل مما يقصد، بينما يفهم المنفّذ أكثر مما قيل. والدليل على ذلك ما كتبه يانيف كوبوفيتش الذي قال: إن القادة "لا يستطيعون حقاً التعامل مع جنود الاحتياط،" وأن "الغمزة تقول كل شيء"، في إشارةٍ إلى فقدان الانضباط وتجاهُل الجنود الأوامر، مع غضّ الطرف من القادة، حفاظاً على الهدوء داخل المؤسسة.

هناك حلقة أُخرى في هذه العملية؛ فالجندي الذي يرتكب الجريمة يعلم أنه لن يُستدعى للتحقيق، والمحقق يعلم أن لا أحد ينتظر منه العثور على الجاني، والمدعي العسكري يعلم أيّ قرار سيعزز مستقبله المهني وأيّ قرار سيجعله يُتهم بالخيانة. ومع اتساع نطاق الجرائم وازدياد عدد المشاركين فيها من قادة ومحققين ومدّعين، تصبح المحاسبة مستحيلة، سياسياً واجتماعياً. وفتح الملفات لن يكشف "تفاحات فاسدة" داخل "الجيش الأكثر أخلاقيةً في العالم"، بل سيكشف بستاناً كاملاً أفسدته الديدان.

ينطبق الأمر أيضاً على قتل الفلسطينيين على أيدي المدنيين، أي المستوطنين، الذين يذهبون إلى أطراف القرى الفلسطينية بهدف بثّ الرعب بين سكانها، ويتم ذلك بحماية عسكرية، وبغضّ الطرف من الجنود.

إن أكثر الأنظمة ظلاماً في التاريخ، التي جعلت القتل سياسة حكم، كانت أحياناً تحاكم مَن يقتل، أو ينهب، خارج الأوامر الرسمية، ليس بدافع العدالة، بل للحفاظ على احتكار الدولة للجريمة وضمان أن يتم القتل وفق أوامر وخطط، وليس بمبادرات فردية. لكن إسرائيل في سنة 2026، وبعد نحو ثلاثة أعوام على الحرب في قطاع غزة، تخلّت حتى عن هذا المظهر الشكلي، ولم تعُد الجريمة تمرّ من دون عقاب فحسب، بل يُحتفى بها علناً.

إن قلّة من المدانين في السابق، مثل الجندي إليئور أزاريا، لم يعودوا بحاجة إلى العفو، والدليل على ذلك ما قاله وزير الدفاع يسرائيل كاتس الذي وصف أزاريا بأنه "مقاتل متميز ما زال يدفع الثمن." وأزاريا عوقب لأنه صُوِّر في أثناء ارتكاب الفعل، وليس بسبب الفعل نفسه، بينما ظهر وزير المالية بتسلئيل سموتريتش مبتسماً، وهو يحمل تقريراً لمنظمة "السلام الآن" بشأن اعتداءات المستوطنين وتسارُع ضم الأراضي، ويعتبر أن لوائح الاتهام تحولت إلى أوسمة شرف، وأن مرتكبي الجرائم باتوا قدوة.

في هذه الأثناء، يواصل سلاح الجو الإسرائيلي قتل طفل فلسطيني واحد يومياً في المتوسط في قطاع غزة، وهذه الحالات لا تُفتح بشأنها حتى تحقيقات شكلية، لأن قتل الأطفال أصبح أمراً اعتيادياً.

إن الدولة التي تجاوزت الخطوط التي التزمت بها حتى أكثر أنظمة القرن العشرين ظلاماً، لا تحتاج إلى آليات رقابة إضافية، بل إلى جهة توقفها عن تطبيق النظرية العنصرية التي تقوم عليها.. وبينما يعلّق كثيرون آمالهم على النظام القضائي الإسرائيلي، فإن نظرةً واقعية إلى هذا النظام تُظهر أنه ليس سوى حلقة من الآلة الجرمية المسماة دولة إسرائيل، والمجتمع الإسرائيلي عاجز، بل إن كثيرين فيه لا يريدون إيقاف ما يحدث.

لقد أظهر لنا التاريخ كيف ينتهي ذلك؛ فبعد الحرب العالمية الثانية، لم يتعافَ المجتمع الألماني بنفسه، إنما بدأ بالتعافي فقط بعد الهزيمة والاحتلال الأجنبي، اللذين فرضا تفكيك النظام ومحاكمة بعض المسؤولين عنهحينها فقط، بدأ مجتمع غارق في كراهية اليهود يعيد اكتشاف معنى القانون والأخلاق.

لا نكتب هذا بسهولة، لكن لم يعُد هناك من سبيل آخر إلى قول ذلك: هناك حاجة إلى تدخّل أجنبي، وإلّا سيزداد عدد جثث الفلسطينيين بشكل كارثي.

*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة