دولي وعربي


إسرائيل: مخاوف من حرب جديدة مع إيران

السبت 25 تموز 2026 - 0:07

تحت عنوان "المؤسسة الأمنية تتخوف من انجرار إسرائيل إلى جولة أُخرى مع إيران بسبب مصالح نتنياهو" كتبعاموس هرئيل، المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس" مقالة جاء فيها:

مع اقتراب نهاية الأسبوع، كثرت المؤشرات التي تفيد بإمكان حدوث تصعيد جديد في منطقة الخليج؛ انشغلت وسائل الإعلام الأميركية بمناقشة احتمالات توسيع الهجمات على إيران، ورفعَ الجيش الإسرائيلي حالة التأهب، استعداداً لسيناريو يمكن أن يجرّ إسرائيل إلى المواجهة مجدداً.

غير أن ما يكاد لا يُذكر علناً، لكنه يثير قلقاً بالغاً لدى بعض الضباط الذين ربما تُناط بهم مهمة تنفيذ أي هجوم، في حال أُقحم الجيش الإسرائيلي مرة أُخرى في القتال، هو السؤال عن المصلحة الإسرائيلية الحقيقية الكامنة وراء استئناف العمليات العسكرية، بعيداً عن حسابات ومصالح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

يبدو كأن الهدف من أي تصعيد جديد في الضربات، ربما يأمر به الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يتمثل في إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات بشروط أكثر ملاءمةً لواشنطن. ويأمل ترامب بأن تؤدي حملة عسكرية مكثفة تستمر نحو أسبوع إلى استئناف المحادثات. ويتحدث الجنرالات الأميركيون مع نظرائهم الإسرائيليين عن استراتيجيا يصفونها بأنها "إخماد الحريق عبر الانفجار"، وهو الاسم الذي يُطلق على تقنيةٍ تُستخدم أحياناً لإطفاء حرائق آبار النفط بتفجير موجَّه يقطع الأوكسجين عن النيران. لكن، وعلى الرغم من التفوق العسكري الأميركي، يبقى هناك شك في أن تستجيب إيران بسهولة لجولة جديدة من الضغوط العسكرية المركزة.

في منتصف حزيران/يونيو، تخلّى الرئيس الأميركي عن معظم مطالبه، ووقّع مذكرة تفاهُم مع النظام في طهران، وبدأ بسحب بعض الطائرات والوحدات العسكرية من منطقة الخليج. وفي الوقت نفسه، عاد، كعادته، إلى إعلان "انتصار تاريخي". لكن الواقع أن ترامب سئم من المواجهة العسكرية؛ لقد أدت الحرب إلى ارتفاع أسعار الوقود، وحظيت بدعم شعبي محدود داخل الولايات المتحدة، كذلك عرّضت الجمهوريين لخطر الهزيمة في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. وتمسّك الرئيس بالفرص الضئيلة التي توفرها مذكرة التفاهم، وسعى لإنهاء المواجهة.

لكن الإيرانيين كانوا الطرف الذي تراجع عن التفاهمات، وليس واضحاً تماماً الدور الذي قام به المرشد الأعلى، غير المرئي، مجتبى الخامنئي في عملية اتخاذ القرار؛ لكن من المعروف أن دائرة القيادة المتشددة المحيطة به اختارت رفع سقف المخاطرة.

وكان النظام، القلِق من الانهيار الاقتصادي الذي تفاقم بسبب الحرب الأخيرة التي اندلعت في شباط/ فبراير من هذا العام، استأنف في مطلع تموز/يوليو إطلاق النار على السفن العابرة في مضيق هرمز، الممر البحري الجنوبي القريب من سواحل سلطنة عُمان. وتحاول طهران فرض ترتيبات جديدة بالقوة تتيح لها المطالبة برسوم عبور وتوفير موارد مالية لخزينتها؛ فالقيادة الإيرانية لا تثق بالأميركيين، وتخشى ألّا تُحترم الوعود الواردة في الاتفاق.

قدّرت أجهزة الاستخبارات في إسرائيل والولايات المتحدة أن الأضرار التي لحقت بإيران نتيجة الحرب تتراوح ما بين 200 و250 مليار دولار، أي أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي السنوي للبلد. فهذه الأرقام هائلة، وتنعكس آثارها أيضاً في الصعوبات الكبيرة – التي كانت واضحة حتى قبل الجولة الأولى من المواجهة في حزيران/ يونيو من العام الماضي – في تأمين المياه والكهرباء لمناطق واسعة داخل إيران. ومن الأسئلة المتكررة في النقاشات الجارية هي عمّا إذا كان في الإمكان تحديد نقطة انهيار مستقبلية مسبقاً، ربما تؤدي إلى عودة الجماهير إلى الشوارع، على غرار ما حدث في الاحتجاجات التي قمعها النظام بعنف في كانون الثاني/ يناير الماضي.

تشير التقارير إلى حدوث شرخ داخلي في قمة النظام الإيراني بين التيار المتشدد المنبثق من صفوف الحرس الثوري، وبين مجموعة أكثر اعتدالاً نسبياً، يبرز فيها الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي. وفي الآونة الأخيرة، اشتكى الاثنان علناً من أضرار الحرب، ومن تدمير مصانع الصلب وحقول الغاز، وحالة عدم الاستقرار الداخلي الناتجة منها، ويبدو كأن هناك انقساماً في قيادة النظام، وهو ما يؤدي أحياناً إلى ارتباك في عملية صنع القرار داخل إيران.

تواجه إسرائيل صعوبة في فهم شخصية مجتبى الخامنئي، نجل المرشد الأعلى. فهو لا يزال متوارياً عن الأنظار، ويتأخر في الرد على طلبات المقربين منه للحصول على توضيحات بشأن مواقفه. وكان والده يتصرف بالطريقة نفسها أحياناً، بهدف إبعاد نفسه عن القرارات اليومية المباشرة. كما أن التوتر بين التيارين بلغ مستويات عالية؛ إذ تعرضت مواكب شخصيات بارزة من الجناح الأقل تشدداً للرشق بالحجارة خلال جنازة الخامنئي الأب.

يؤدي الغموض في قمة السلطة أحياناً إلى ارتباك في اتخاذ القرارات في طهران. ويبدو كأن إطلاق النار على السعودية الأسبوع الماضي، لأول مرة بعد أربعة أشهر، جرى خلافاً للتوجيه الرسمي للنظام. وفي بداية هذا الأسبوع سُجلت أيضاً "عملية انزلاق"، عندما أطلق الإيرانيون صواريخ في اتجاه مدينة العقبة الأردنية القريبة من إيلات، وسقطت شظايا من صواريخ الاعتراض الأردنية داخل الجانب الإسرائيلي. وتضاعف عدد سكان إيلات أكثر من مرة خلال الصيف (إذ يقيم بها نحو 130 ألف شخص)، وهو ما أثار توتراً كبيراً داخل الحكومة والجيش الإسرائيلي. ومع ذلك، كان الانطباع في هيئة الأركان العامة أمس أن الإيرانيين لا يزالون، في هذه المرحلة، يتجنبون تجاوُز الخط الأحمر.

لا حلول سهلة

جاء قرار ترامب، قبل نحو أسبوعين، بشأن استئناف القصف على إيران، رداً على إطلاق النار في مضيق هرمز. وتشن طائرات أميركية غارات ليلية على أهداف في جنوب إيران، وفي الآونة الأخيرة أيضاً في وسط البلد. وإلى جانب أهداف عسكرية واضحة (مثل بطاريات الدفاع الجوي والرادارات ومراكز القيادة)، تعرّض أيضاً بعض البنى التحتية للقصف. وقبل يومين، هدد ترامب بالرد بقصف الجسور والطرقات، وحتى محطات الطاقة، في مقابل أي ضرر يلحق بسفينة.

في الوقت نفسه، أعادت إسرائيل الملف النووي إلى صدارة النقاش؛ فقدمت مصادر إسرائيلية إحاطات لصحيفة وول ستريت جورنال بشأن المخاطر المرتبطة بموقع "الجبل المسحور". وهو منشأة تحت الأرض حُفرت بالقرب من المنشأة النووية في نتانز. وكانت إيران نقلت إلى هذا الموقع أجهزة طرد مركزي متقدمة في خريف العام الماضي. وحتى الآن، امتنعت الولايات المتحدة من مهاجمته، على الأرجح بسبب صعوبة الوصول إلى هذا العمق.

الدافع وراء تسريب هذه المعلومات واضح: التذكير بأن مضيق هرمز ليس القضية الوحيدة، وأن الهدف الأساسي من الحرب كان، منذ البداية، معالجة التهديد النووي الإيراني.

بعد النشر في صحيفة وول ستريت جورنال، تحدثت القناة 14 عن زيارة وفد إسرائيلي لواشنطن ترأسه رئيس الموساد رومان غوفمان، الذي حذّر الإدارة الأميركية من المخاطر المرتبطة بموقع "الجبل المسحور". وكان اختيار المبعوث في حد ذاته لافتاً؛ إذ تبدو شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) أقل اقتناعاً بوجود تهديد جديد، في حين يقرّ سلاح الجو الإسرائيلي بأنه لا يملك قدرة على مهاجمة أجهزة الطرد المركزي وتدميرها من الجو.

على الرغم من أن ترامب يكرر تعهداته بأن إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً، فإن تفكيره ينشغل أيضاً بالتداعيات الاقتصادية لإغلاق مضيق هرمز. وفي الوقت نفسه، يوزع المقربون من نتنياهو إشارات توحي باحتمال تنفيذ إسرائيل هجوماً قريباً. ويبدو، بحسب هذا الطرح، كأنهم يحاولون دفع الإيرانيين إلى الاعتقاد أن إسرائيل حصلت فعلاً على موافقة ترامب لمهاجمتهم، وهو ما يمكن أن يدفعهم إلى شن هجوم أول عليها، ويوفر لها شرعية دولية للرد.

كشف نتنياهو في بداية الأسبوع عن بعض حساباته السياسية؛ إذ قال إنه في حال تجدّد الحرب مع إيران، فسيدرس إلغاء الانتخابات التمهيدية داخل حزب الليكود، وبذلك يتجنب الصداع السياسي المرتبط بقائمة انتخابية لا تحظى بالجاذبية الكافية.

تثير الصورة برمتها علامات استفهام كبيرة، وهي أسئلة بدأت تصل أيضاً إلى غرف العمليات والقيادات العسكرية. فإذا كان الأمر يتعلق بمجرد جولة إضافية تستمر أسبوعاً، أو أسبوعين، ولا تهدف إلى إسقاط النظام – وهو هدف فشلت إسرائيل في تحقيقه هذا العام – ولا إلى القضاء على البرامج النووية والصاروخية، فإن المكاسب المحتملة لا تبدو متناسبة مع حجم المخاطر.

فربما تجد إسرائيل نفسها مضطرة إلى إنفاق عشرات المليارات الإضافية من الشواكل، وتعريض الطيارين والطائرات للخطر، وتحمُّل ضربات صاروخية إضافية على الجبهة الداخلية، وهذا كله من دون تغيير جوهري في الواقع، ومن دون حل المشكلة الأكبر على الإطلاق: مصير نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصّب إلى درجة 60% الذي تحتفظ به إيران في منشأة فوردو.

لقد أصبحت الحرب في إيران معقدة للغاية، وهي بعيدة جداً عن الطموحات التي رُسمت لها في شباط/ فبراير. ولم تعُد الحلول سهلة. وهناك مسار بديل ربما يحقق نتائج في المدى الطويل، يتمثل في استمرار الضغط الأميركي على مضيق هرمز، على أمل أن يؤدي ذلك إلى انهيار الاقتصاد الإيراني، وربما إلى تجدد الاحتجاجات.

لكن القيادة الأمنية المعنية – رئيس الأركان، وقائد سلاح الجو، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، ورئيسا الموساد والشاباك – لا يمكنها تجاهُل علامات الاستفهام التي تُطرح في الوقت الراهن من المستويات الأدنى، وإن كان ذلك بأسلوب مهذب وضبط نسبي: ماذا تستطيع إسرائيل أن تحقق في جولة جديدة؟ وما المخاطر التي ستتحملها؟ وكيف يخدم هذا كله مصالح نتنياهو السياسية؟

*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية

 



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة