دولي وعربي


النووي السعودي وخارطة الشرق الأوسط

السبت 25 تموز 2026 - 0:01

كتب (أ.د. حبيب البدوي)

لماذا يهمّ هذا الاتفاق؟

في الظاهر، يتحدّث الاتفاق عن بناء محطات نووية لتوليد الكهرباء في السعودية بمساعدة أميركية. لكنه في العمق أقرب إلى صفقة نفوذ: فمن يبني مفاعلاً في بلد ما يملك معه تأثيراً يمتد لعقود على قراراته الصناعية والتقنية وحتى السياسية. لهذا تتنافس عليه واشنطن وبكين وموسكو بشراسة، ولهذا تثير بعض بنوده الغامضة – خصوصاً احتمال سماح واشنطن للرياض بتخصيب اليورانيوم مستقبلاً – قلق قادة الكيان الإسرائيلي الوجودي،  كما خبراء منع الانتشار النووي، الذين يخشون أن يفتح ذلك الباب أمام سباق تسلح إقليمي إذا ما قررت إيران لاحقاً امتلاك السلاح النووي. وقد زاد المشهد تعقيداً أن الاتفاق، الذي وُقّع بمعزل عن ملف تطبيع الرياض مع تل أبيب، أعيد ربطه بهذا الملف بعد توقيعه بيوم واحد فقط، في تطوّر يلخّص إلى أي حدّ باتت الملفات الاقتصادية والسياسية في المنطقة متشابكة. وفيما يلي قراءة أعمق في خلفيات الاتفاق وأبعاده الاستراتيجية.

"اتفاقية 123": ما الذي تغيّر فعلاً؟

لا يمكن قراءة الاتفاق النووي المدني الوليد بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية بوصفه مجرد شراكة في مجال الطاقة بين حكومتين تسعيان إلى توسيع القدرة على توليد الكهرباء. فهو يعكس، في صورة مصغّرة، التحوّل المتسارع الذي تشهده السياسة الدولية، حيث حلّ الجيو-اقتصاد محل الحسابات العسكرية الصرفة بوصفه الأداة الأولى التي تسعى الدول من خلالها إلى تعزيز نفوذها الاستراتيجي وريادتها التكنولوجية. فالمفاعلات وسلاسل التوريد وتدفقات الاستثمار باتت اليوم لا تقل أهميةً عمّا كانت تمثله الأساطيل والحاميات العسكرية في الماضي.

يُعرف الإطار المقترح باسم "اتفاقية 123"، نسبة إلى المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأميركي، وهو يرسي أساساً ملزماً قانونياً للتعاون النووي المدني بين البلدين، فيما يفتح الباب أمام إمكانية تطوير السعودية، بعد دراسة جدوى اقتصادية مشتركة، قدرات محلية لتخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة البلوتونيوم ضمن ضمانات متفق عليها.

يمثل هذا خروجاً جوهرياً عن النموذج الذي اعتمدته واشنطن تقليدياً مع الدول الحديثة العهد بالبرامج النووية، وتكمن أهميته تحديداً فيما "لا يستبعده". وقد وقّعت إدارة الرئيس دونالد ترامب الاتفاق رسمياً في 22 يوليو 2026، على أن تُحال تفاصيله إلى الكونغرس لمراجعة تستمر تسعين يوماً وفق ما يقتضيه القانون الأميركي، فيما يتضمن الاتفاق، بحسب مصادر مطلعة، رسالتين جانبيتين لم يُكشف بعد عن مضمونهما، وهو ما دفع بعض أعضاء الكونغرس إلى التلويح بالتريث في دعم الاتفاق إلى حين الإفصاح الكامل عن نصه.

التكنولوجيا: سلاح النفوذ الجديد

لم تعد البنية النووية مجرد مشروع لتوليد الكهرباء، بل باتت تمثل عقوداً من التكامل الصناعي والاعتماد التكنولوجي والتعاون التنظيمي، تربط الدولة المصدّرة بالدولة المستوردة طوال العمر التشغيلي للمنشآت الذي يمتد عادة بين أربعين وستين عاماً. فالدول التي تبني المفاعلات هي ذاتها التي تصوغ لاحقاً عقود الصيانة، ومعايير الأمن السيبراني، والثقافة التنظيمية التي تستمر لأجيال. من هنا باتت التكنولوجيا "عملة قوة" تضاهي، بل تتفوق في بعض المجالات، على المساعدات العسكرية التقليدية.

سباق الخليج: واشنطن وبكين وموسكو

تعكس هذه الاتفاقية أيضاً التنافس العالمي المتصاعد بين القوى الكبرى على الأسواق الاستراتيجية، وقد باتت منطقة الخليج واحدة من أكثر الساحات احتداماً في هذا التنافس، إذ تتزامن فيها معارك النفوذ في الطاقة النووية، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والفضاء، والمعادن الحرجة. وبينما توسّع الصين حضورها عبر مبادرة الحزام والطريق، وتواصل روسيا تصدير تقنيتها النووية عبر نموذج "روساتوم" القائم على البناء والتملك والتشغيل، أدركت واشنطن أن الحفاظ على نفوذها في الخليج يستلزم اليوم تقديم شراكات اقتصادية تنافسية، لا الاكتفاء بإرث التحالفات الأمنية التقليدية. فالرياض تملك خيارات بديلة لدى بكين وسيول وموسكو، وهذا ما منحها أوراق تفاوض حقيقية أمام واشنطن.

رؤية 2030: الدافع الاقتصادي وراء المفاعلات

لا يمكن فصل هذا الاتفاق عن التحوّل الجذري الذي شهده الموقع الدولي للمملكة العربية السعودية خلال العقد الماضي. ففي ظل "رؤية 2030"، تسعى المملكة إلى تنويع اقتصادي غير مسبوق، وتضع نفسها مركزاً عالمياً للاستثمار والتصنيع المتقدم والخدمات اللوجستية، فضلاً عن طموحها في الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي. من هنا تأتي الطاقة النووية المدنية لتكمّل هذه الأهداف، من خلال دعم التحديث الصناعي، وإنتاج الهيدروجين الأخضر، وتحلية المياه على نطاق واسع، وتوفير الكهرباء الأساسية الموثوقة التي تتطلبها البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ على مزيد من الإنتاج النفطي للتصدير والتصنيع البتروكيميائي بدلاً من استهلاكه محلياً.

من الفصل إلى الربط: تحوّل ترامب المفاجئ

شكّل الاتفاق في البداية تحوّلاً لافتاً عن مقاربة الإدارات الأميركية السابقة، التي اعتادت ربط التعاون النووي مع الرياض بحزمة أوسع تشمل تطبيع العلاقات السعودية–الإسرائيلية. فجاء الإعلان الأولي عنه منفصلاً تماماً عن أي شروط دبلوماسية مسبقة. غير أن هذا الفصل لم يدم طويلاً، كما أشرنا أعلاه: ففي غضون يوم واحد من التوقيع، أعاد الرئيس ترامب ربط الاتفاق بملف التطبيع، في تراجع كشف أن واشنطن لم تستطع، أو لم ترغب، عزل الأبعاد الاقتصادية للعلاقة الثنائية عن أكثر الملفات السياسية تعقيداً في المنطقة.

“المعيار الذهبي” على المحك

لا يخلو الاتفاق من جدل قانوني وسياسي واسع. يرى مؤيدوه أنه يضمن شفافية أكبر ونفوذاً أميركياً مستمراً في قطاع كان سيُبنى، لولا ذلك، بمساعدة صينية أو روسية أو كورية جنوبية. في المقابل، يعرب المنتقدون عن قلق جدي إزاء منع الانتشار النووي، خصوصاً أن السماح المحتمل بالتخصيب يمثل تراجعاً عن "المعيار الذهبي" الذي أرسته اتفاقية الإمارات عام 2009، والتي اشترطت تخلي أبوظبي الكامل عن التخصيب المحلي. ويزيد من حدة هذا القلق تصريحات ولي العهد محمد بن سلمان آل سعود السابقة بأن المملكة ستمتلك سلاحاً نووياً إذا فعلت إيران ذلك.

الرياض بين واشنطن وطهران: سياسة “تعدد الاصطفاف”

لا يمكن فهم هذا الاتفاق بمعزل عن السياق الأمني الإقليمي المتوتر، حيث تسعى الرياض إلى إدارة توازن دقيق بين تعزيز الشراكة مع واشنطن ومواصلة الانفتاح المباشر على طهران، في ظل التطبيع الذي رعته الصين بين البلدين عام 2023. كما تُظهر المملكة قدرة متنامية على انتهاج سياسة "تعدد الاصطفاف" الاستراتيجي، إذ تجمع بين التعاون الأمني مع واشنطن، والشراكة الاقتصادية مع بكين، والانخراط البنّاء مع مجموعات ناشئة كـ"بريكس"، من دون الانحياز الرسمي ضد أي قوة كبرى بعينها.

خاتمة: نظام دولي جديد؟

في نهاية المطاف، لا تكمن أهمية هذا الاتفاق في بناء المفاعلات أو توليد الكهرباء وحدها، بل فيما يرمز إليه: بزوغ نظام دولي جديد تصبح فيه الأدوات الاقتصادية والتكنولوجية أكثر مركزية من التحالفات العسكرية التقليدية في تحديد موازين القوى الإقليمية. والطريقة التي ستُدار بها مراحل التنفيذ المقبلة، من الشفافية أمام الكونغرس إلى مدى وصول المفتشين الدوليين، ستحدد ما إذا كان هذا الاتفاق سيُذكر كنموذج للدبلوماسية النووية العملية، أم كلحظة بدأ فيها التراجع عن البنية الدولية لمنع الانتشار النووي في الخليج.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة