دولي وعربي


صبر الضفة بدأ بالنفاد

الاثنين 27 تموز 2026 - 0:00

لم تعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية أحداثاً متفرقة، بل تحوّلت إلى نهج متواصل يهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض. ومع تصاعد وتيرة الهجمات واتساع نطاقها، يبدو أن حالة الغضب في الشارع الفلسطيني بلغت مستويات غير مسبوقة، ما ينذر بمزيد من التوتر واحتمال انزلاق الأوضاع نحو مرحلة أكثر خطورة.

تحت عنوان: "المستوطنون مصممون على إشعال تصعيد متواصل في الضفة الغربية، وهذه المرة، بدأ صبر الفلسطينيين بالنفاد" كتبت الكاتبة الإسرائيلية عميره هاس مقالة في صحيفة "هآرتس" جاء فيها:

أظهر الفلسطينيون في الضفة الغربية، وما زالوا يُظهرون قدراً كبيراً من ضبط النفس في مواجهة ازدياد الاعتداءات والجولات الاستفزازية التي يقوم بها المستوطنون في مناطقهم. ومن الواضح أن جزءاً من هذا التريث نابع من الخوف بحد ذاته؛ فمن ذا الذي لا يخشى مجموعات كبيرة من المسلحين بالأسلحة النارية والبيضاء، الذين لا يخافون من الشرطة، أو الجيش، أو المحاكم، أو حتى من الرأي العام، بل يعلمون أنهم سيحظون بالدعم من هؤلاء؟

ومن نتائج ذلك أن المنازل الواقعة على أطراف القرى الفلسطينية تحولت إلى ما يشبه الحصون؛ لقد أحاط السكان بيوتهم بأسلاك شائكة، أو جدران، وأضافوا أبواباً حديدية تُفتح عن بُعد، وغطّوا النوافذ بألواح معدنية لمنع الحجارة من تحطيم الزجاج. وتوجد في كل منزل من هذا النوع كاميرات مراقبة توثق ما يجري حوله: أشخاص بملامح مألوفة – قلنسوة تغطي الرأس مع خصلات الشعر الدينية، أو قبعة دينية (كيباه) وسوالف – يظهرون من بين الكروم، أو الحدائق، ويتجولون، أو يركضون حول المنزل، وأحياناً يحاولون إشعال النار فيه. وفي المقابل، يمنع السكان أبناءهم من اللعب، أو التجول في التلال المحيطة، لأن مجموعة من المستوطنين المسلحين يمكن أن تظهر في أي لحظة، ولا أحد يعلم ما قد يحدث.

أمس، بدأ هذا الصبر يتصدع في قرية تل، الواقعة في منطقة نابلس، بعد أن حاول سكانها منع مجموعة من المستوطنين المسلحين، الذين كانوا يتجولون، من دخول أراضي القرية. ووفقاً للتوثيق المصور، وخلال المواجهة التي اندلعت، انتزع فلسطيني سلاح بنياهو ملت، وهو عضو في فرقة التأهب التابعة لمستوطنة "حفات جلعاد"، والذي كان يرافق المستوطنين؛ وفي وقت لاحق، قُتل ملت والرائد يوآف عزرا. وجاء في إحدى كلمات حفل تأبين ملت أنه "كان يدفع نحو السيطرة على المنطقة بلا كلل،" وأنه كان الروح المحرِّكة لمنتدى "النضال من أجل كل دونم" [منتدى أسسه ملت من أجل منع السيطرة الفلسطينية على الأراضي].

خلال المواجهة، قُتل أربعة رجال من عائلة رمضان، إمّا برصاص جنود، أو مستوطنين، بعد أن خرجوا للدفاع عن منازلهم وأطفالهم. والقتلى هم: الشقيقان إبراهيم حسين علي رمضان وجواد حسين علي رمضان، وابن عمهما فاروق عدنان علي رمضان، وقريبهم عمران أحمد علي رمضان. وما يثير الدهشة ليس تصدُّع حالة ضبط النفس، بل أنها استمرت كل هذا الوقت ولدى هذا العدد الكبير من الناس.

يتمثل أحد العناصر المهمة في ضبط النفس الفلسطيني في الإدراك السياسي أن المستوطنين وممثليهم المخلصين في الحكومة يريدون بالضبط ما يحدث الآن: جولة جديدة من أعمال الشغب والعنف ينفّذها المستوطنون بحُرية، وفي أكبر عدد ممكن من القرى. ويأتي ذلك في وقتٍ يهاجم الجيش، من جانبه، السكان المدنيين الفلسطينيين ويوقع بهم الأذى، بينما يسارع المستوى السياسي إلى الرد، عبر إضفاء الشرعية على مزيدٍ من البؤر والمزارع الاستيطانية. ويعرف الفلسطينيون جيداً أن السلطات زوّدت مهاجميهم بالبنادق والمركبات الرباعية الدفع، ليس من أجل الأمن، بل من أجل تصعيد الأوضاع.

إن الاستفزازات المدروسة التي يقوم بها المستوطنون، حتى قبل دخول إسرائيل في الحملة الانتخابية، تستهدف أهدافاً تتجاوز كثيراً نتائج صناديق الاقتراع. فكل جولة مخطط لها مسبقاً على الطرقات الواقعة بين القرى، وكل مزرعة أغنام تستولي على مزيد من أراضي الرعي الفلسطينية، تقرّب إسرائيل من تنفيذ "خطة الحسم" التي يتبناها الوزير بتسلئيل سموتريتش. وتهدف هذه الخطة إلى إخضاع الفلسطينيين، ودفعهم إلى "الهجرة" الجماعية، وإيقاع القتل، وتفكيك كل أشكال التماسك الاجتماعي الداخلي.

سارع كلٌّ من الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك) إلى تصنيف مقتل بنياهو ملت، الذي لم يكن مخططاً له، على أنه عملية هجوم (عملية فدائية). وهذا التصنيف كان بمثابة إشارة إلى نية السلطات استغلال الفرصة التي وفّرها المستوطنون لها، واتّباع النهج المعتاد في إسرائيل في معاقبة الطرف الذي تعرض للهجوم.

منذ ظهر أمس، ينفّذ الجيش عمليات دهم للقرى والبلدات، ويقتحم المنازل، ويقتلع أشجار الزيتون، ويفرض حصاراً على مدينة نابلس، ويعزل مناطق الضفة الغربية، بعضها عن بعض، ويغلق الطرقات بين القرى، وينفّذ حملات اعتقال.

يبدي الجيش قلقاً من وجود 70 مجموعة فلسطينية للدفاع المدني أُنشئت في القرى. وبغياب كلمة أنسب لوصف هذا القلق، يمكن وصفه بأنه وقاحة.  كان ينبغي للجيش الإسرائيلي، كونه قوة  احتلال وصاحب السلطة الأمنية العليا في جميع أنحاء الضفة الغربية، منع اليهود من الاعتداء على السكان المدنيين الفلسطينيين، وكان عليه أن يفعل ذلك منذ عقود، لكنه لم يفعل ذلك في الماضي، ولا اليوم، بل يساعد أولئك المعتدين اليهود، ثم يعتقل أيضاً مَن يدافعون عن منازلهم وأطفالهم.

لا يحتاج المرء إلى خيال واسع ليتصور ما كان سيحدث لو ظهر شبان فلسطينيون لفّوا الكوفيات حول أعناقهم في مستوطنة أريئيل مثلاً، أو حتى لو كانوا يتجولون فقط في الأراضي الواقعة داخل منطقة التماس، غربي جدار الفصل، وهي أراضٍ يُمنع أصحابها الفلسطينيون من دخولها. ولو أطلق يهودي النار على فلسطينيين وأصابهم، لَما وُصف ذلك بأنه عملية هجوم. بل أكثر من ذلك، لو كان أحد أولئك الشبان الفلسطينيين يحمل سلاحاً فقط، لاعتُبر أي يهودي يسارع إلى قتله بطلاً. إن الاحتلال العسكري المستمر منذ نحو ستين عاماً أدى إلى إنتاج معايير مزدوجة ومتعددة، مع إنكار تام لوجودها. وحتى في ظل هذا الواقع، يُطلب من الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال التحلي بضبط نفس دائم وكبير، كي لا ينفجروا غضباً وكراهيةً كل يوم من جديد.

إن معاقبة الذين يتعرضون للهجوم  هي  ضد سكان مدنيين، أضعفتهم سياسة الخنق التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية؛ لقد أصبح معظم الفلسطينيين أكثر فقراً، بعد أن صادرت وزارة المالية الإسرائيلية عائدات السلطة الفلسطينية، ومنعتهم من العمل داخل إسرائيل. وفي الوقت نفسه، أدى توسّع البؤر الاستيطانية وإصدار أوامر بإغلاق المناطق إلى القضاء على مصادر رزق أُخرى، مثل رعي الأغنام والزراعة.

تكاد المنظومة الصحية الفلسطينية تكون عاجزة عن أداء مهماتها، بينما تتفاقم أوضاع المرضى المصابين بأمراض مزمنة بسبب نقص الأدوية. وإلى جانب ذلك،  فإن معبر الكرامة (جسر اللنبي)، وهو المنفذ الحدودي الدولي الوحيد المتاح للفلسطينيين، يعمل ساعات محدودة، ويُغلق أيام السبت. هذا الواقع لا يغذي فقط صناعة مزدهرة لابتزاز الأموال، بل يجعل كل خروج من الضفة الغربية وكل عودة إليها سلسلة من المعاناة. وأي فلسطيني لا ينتظر الكارثة المقبلة، لأن كل واحد منهم يعيش فعلاً في كارثة مستمرة، ويدرك أن قطاع غزة المدمَّر هو النموذج النهائي الذي يضعه النظام الإسرائيلي نصب عينيه.

في هذا الوضع، تبدو قيادة السلطة الفلسطينية كأنها منفصلة عن شعبها أكثر من أي وقت مضى؛ فهي تكتفي بالإدانة، وإطلاق التحذيرات، ومناشدة العالم التدخل، كأنها منظمة غير حكومية، وليست الجهة التي تدّعي أنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، فلا تبادر إلى وضع وتنفيذ خطوات سياسية جريئة تتحرر من الجمود الذي فرضته اتفاقية أوسلو، والتي تؤكد أن إسرائيل تنتهكها منذ زمن بعيد. كما أنها لا تنشر آلاف الأفراد من أجهزتها الأمنية بين أبناء شعبها الذين يتعرضون للهجوم من أجل حمايتهم، وذلك بسبب الاتفاق الذي يمنعها من القيام بذلك. إن الغضب من السلطة الفلسطينية لا يقتصر على معارضيها، بل يظهر أيضاً داخل مؤيدي حركة قدامى "فتح". لا يلوم الناس السلطة على ضعفها بحد ذاته، إنما على استخدامها هذا الضعف كذريعة لغياب التفكير والمبادرة والعمل...

حتى في هذا الجانب، يواصل الفلسطينيون التحلّي بضبط النفس، ليس فقط خوفاً من أجهزة السلطة الفلسطينية، بل أيضاً لأنهم يدركون أن اليمين الإسرائيلي الحاكم يرحّب بكل توتر واحتكاك داخلي بين الفلسطينيين، ويتطلع إلى انفجار الأوضاع واندلاع اقتتال داخلي بينهم.

*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة