دولي وعربي


الهجوم الذي لم يحدث على إيران

الأربعاء 29 تموز 2026 - 0:09

تحت عنوان: "الهجوم الذي لم يحدث على إيران: كيف استفاد نتنياهو من قرار ترامب؟" كتب المحلل في صحيفة "إسرائيل اليوم" أريئيل كهانا مقالة جاء فيها:

إن رئيس الحكومة لن يقول ذلك للرئيس دونالد ترامب هذا المساء، لكن الحقيقة هي أن إسرائيل تنفست الصعداء في نهاية الأسبوع، عندما اتضح أن ترامب أرجأ الهجوم الكبير الذي كان يخطط له على إيران.

وكان نتنياهو والمحيطون به استنتجوا منذ يوم الخميس أنه على الرغم من التصريحات الحازمة التي أدلى بها الرئيس في ذلك اليوم، فإنه لا ينوي شن هجوم في المستقبل القريب. وفي يوم الجمعة، ثم بشكل أوضح يوم السبت، اتضح أن ترامب فعل مرةً أُخرى عكس ما كان العالم كله يتوقعه.

شعر نتنياهو بالارتياح، ليس لأنه أصبح فجأة متعاطفاً مع "المتطرفين في طهران"، بل العكس تماماً؛ فإسرائيل تريد شن هجوم ساحق للغاية على إيران، من شأنه أن يضرب بنيتها التحتية الوطنية، وربما يؤدي إلى إسقاط النظام.

لكن في المقابل، ومن أجل مواصلة استنزاف قادة الجمهورية الإسلامية، لا يحتاج الأميركيون إلى مشاركة إسرائيل. وحتى نهاية ذلك الأسبوع على الأقل، لم يكن ترامب يرغب في استهداف البنية التحتية الإيرانية؛ كذلك لم تكن ترغب إسرائيل في الانضمام إلى حملة عسكرية، حتى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لم تكن تؤمن بجدواها.

من الواضح أنه لو طلب الرئيس الأميركي مشاركة إسرائيل، لما كان في الإمكان رفض طلبه. كذلك لا تستطيع إسرائيل أن تبدو أمام العالم كأنها أقل تشدداً من ترامب تجاه إيران؛ لذلك، عندما اتضح أن ترامب نفسه أصدر تعليمات بوقف التصعيد، وأعفى إسرائيل في الوقت نفسه من المشاركة، سادت حالة من الارتياح في الأوساط المغلقة، إذ لم تنجرّ إسرائيل إلى مواجهة لا مصلحة لها فيها.

تفسير حالة التردد

يبقى السؤال الأكبر، بطبيعة الحال، إلى أين تتجه الأمور من هنا؛ فوسائل الإعلام الأميركية تتحدث عن استعدادات يجريها الجيش الأميركي لتنفيذ عمليات خاصة غير مسبوقة؛ لكن في المقابل، سبق أن نُشرت تقارير مشابهة في الماضي، ولم تتحول في النهاية إلى واقع. علاوةً على ذلك، من الواضح أنه على الرغم من مظاهر الانتصار التي يُظهرها ترامب علناً، فإنه لا يزال داخل المكتب البيضاوي مضطراً إلى الاختيار بين سيناريوهات لا يفضل أياً منها.

من الناحية النظرية، يمكنه التوصل إلى اتفاق استسلام مع إيران، لكن من الواضح أن ذلك لن يحدث؛ أمّا الخيارات الأُخرى المتبقية، فهي أيضاً غير جذابة، أحدها الاستمرار في كسب الوقت، وهو ما يفعله منذ ثلاثة أشهر.

ثمن هذا النهج الوسطي هو تحقيق نتائج محدودة، مع تحمّل تكلفة اقتصادية وسياسية في آن معاً؛ أمّا الخيار الثاني، فهو إطلاق تلك العملية العسكرية الكبرى التي يخطط لها الجيش الأميركي، غير أن هذا الخيار ينطوي على خطر الفشل، فضلاً عن احتمال سقوط عدد كبير من الضحايا. من المعروف أن ترامب شديد الحساسية تجاه مقتل الجنود، وكذلك تجاه الإخفاقات العسكرية؛ لذلك رفض حتى الآن الخطط الواسعة والطموحة التي عُرضت عليه؛ وغياب الحسم هو ما يفسّر حالة التذبذب والجمود التي نشهدها منذ الإعلان الرسمي بشأن انتهاء عملية "الغضب العارم".

خدعة مجتبى

حسبما تبدو عليه الأمور في الأيام الأخيرة، فإن الإيرانيين لن يتركوا لترامب حرية اختيار المسار الذي سيسلكه، فمستوى استفزازاتهم يرتفع يوماً بعد يوم، وبعد أن ألحقوا الأذى بجميع جيرانهم، بات قادة الجمهورية الإسلامية يهددون في الأيام الأخيرة دولاً أوروبية أيضاً؛ نعم، ربما تتعرض بلغاريا وأوكرانيا لهجمات بطائرات مسيّرة، بحسب هذه التهديدات، وبدافع من قناعاتهم العقائدية المتشددة وشعورهم بالرضا لأنهم تمكنوا من الصمود حتى الآن، يواصل الحرس الثوري الإيراني رفع مستوى المخاطرة. وعلى غرار ما حدث مع حكام متطرفين في مراحل عديدة من التاريخ، فإن قادة إيران مقتنعون فعلاً بأن لا أحد يستطيع الوقوف في وجههم.

علاوةً على ذلك، ما زال العالم يصدق "خدعة" وجود مجتبى الخامنئي وقراراته المزعومة؛ فمنذ خمسة أشهر، لم يُسمع صوته، ولم تُشاهد صورته، ولم يُنشر أي شيء بخط يده، ولا يوجد أي دليل على أنه لا يزال في قيد الحياة. ومع ذلك، فإن أجهزة الاستخبارات الغربية لم تتمكن من كشف حقيقة هذا الأمر.

إلّا إن هذه الفقاعة ستنفجر في نهاية المطاف، ولا يمكن معرفة كيف سيتقاطع الواقع مع الأوهام الإيرانية، لكن ذلك يمكن أن يحدث في وقت أقرب مما يظن كثيرون.  غالباً ما تسقط الأنظمة الديكتاتورية بصورة مفاجئة، حسبما يعلّمنا التاريخ، والجمهورية الإسلامية لن تكون استثناءً.

تنازلات في غزة

ماذا سيقول نتنياهو بشأن هذا كله؟ الحقيقة أننا لا نعلم؛ ففي اللقاء السابق بين الرجلين في شباط/فبراير، لم يكن أحد يتوقع آنذاك مدى تأثيره في مجرى الأحداث، بعد أن أعقبته الحرب ضد إيران. ولا شك في أن رئيس الحكومة سيطرح هذه المرة أيضاً مقترحات تتعلق بإيران، لكن طبيعتها لن تتضح إلّا لاحقاً.

في المقابل، هناك خطوة واحدة سيعرضها نتنياهو لإرضاء ترامب، وهي موافقة المجلس الوزاري المصغر (الكابينيت) الذي أُقرّ قبل يومين البدء بإدخال القوة الدولية إلى قطاع غزة. ووصف نتنياهو هذه الخطوة بأنها تهدف إلى "تنفيس الضغط".

يضغط ترامب ومستشاروه باستمرار على إسرائيل لسحب قواتها من لبنان وسورية، كذلك يريدون رؤية "التقدم" في ملف غزة. ويحدث ذلك في وقت لم تنزع "حماس" سلاحها، وما زال حزب الله قائماً، بينما تخضع سورية لحكمٍ جهادي وغير مستقر. ولإظهار أن إسرائيل تقوم بـ"شيء ما"، سيستند نتنياهو إلى قرار الكابينيت القاضي بإدخال القوة الدولية (ISF) إلى القطاع.

على الرغم من إمكان تفهّم الدافع الكامن وراء هذه الخطوة، فإن هذا التنازل خاطئ؛ بعد ثلاثة أعوام على هجوم 7 أكتوبر، كان يجب أن تكون "حماس" انتهت كتنظيم، ووعد نتنياهو مراراً بتحقيق ذلك؛ وهناك اقتراح عملي ربما يقرّب إسرائيل من هذا الهدفوقد اقترح يشاي سفاز، من منتدى "غلاف إسرائيل"، فكرة بسيطة لا تتطلب استئناف الحرب، ويقضي الاقتراح، بحسبه، بأن تقسّم إسرائيل قطاع غزة عبر محورَي نتساريم وكيسوفيم، بحيث يتحول القطاع، بدلاً من أن يكون منطقة واحدة متصلة، إلى ثلاث مناطق صغيرة ومنفصلة، الأمر الذي سيجعل من الصعب على "حماس" إعادة التسلح.

إن مثل هذه الخطوة الإبداعية أفضل من العودة إلى "دوامة التنازلات" التي أقرّها نتنياهو في الكابينيت في مطلع الأسبوع. وبما أن "حماس"، بحسب رأيه، لا تلتزم الشروط الأساسية للاتفاق، فإن نتنياهو لديه شرعية كاملة لطرح بدائل أفضل على ترامب.

*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة