الأحد 2 آب 2026 - 0:06
كتب (د. حبيب البدوي)
ترد الرياض على الاعتداءات على الأمنيّن العربي والخليجي عبر مناورة ثلاثية متزامنة: ردع عسكري مباشر، وإعادة تموضع لصادرات الطاقة، وبناء تحالف بحري واسع. الهدف الأعمق لهذه المناورة لا يقتصر على تأمين الملاحة البحرية، بل يمتد إلى تحويل موقع المملكة من طرف متضرر بفعل الحرب الإقليمية إلى عامل فاعل يقود إعادة تشكيل معادلة الأمن البحري في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن. إن نجاح هذه المقاربة مرهون بعامل واحد حاسم: قدرة الرياض على تحويل التزامها السياسي إلى قدرة تشغيلية فعلية قبل أن تُختبر فعلياً عبر مواجهة تصعيد حوثي-إيراني جديد.
الموقف الراهن
تتقاطع في المشهد الراهن ثلاث معطيات متزامنة تضع الرياض تحت ضغط غير مسبوق: حرب إقليمية مندلعة منذ أواخر شباط 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز حرم المملكة من ممرها التقليدي لتصدير الطاقة، وحصار بحري فرضته جماعة الحوثي على السفن المرتبطة بالمصالح السعودية اعتباراً من 20 تموز 2026، ترافق مع ضربات ادّعت الجماعة تنفيذها ضد ناقلات وسفن تجارية. هذا التقاطع الثلاثي لا يشكّل أزمة عابرة، بل يضع الرياض أمام اختبار مباشر لقدرتها على حماية شريان اقتصادها الأول في لحظة تنكشف فيها بدائلها الجغرافية بأكملها في آن واحد.
التقدير الاستراتيجي
القراءة الأعمق لسلوك الرياض تكشف أن كل مسار من مساراتها الثلاثة مصمَّم ليخدم وظيفة مختلفة ضمن معادلة واحدة. الضربات الجوية التي استهدفت بنى الحوثيين في محيط ميناء الحديدة ليست مجرد رد فعل تكتيكي، بل استثمار في المصداقية: من يريد قيادة تحالف جماعي لاحقاً يحتاج أولاً أن يُظهر قدرته على حماية نفسه بمفرده. هذا التسلسل — الفعل المنفرد أولاً، ثم الدعوة الجماعية — هو ما يمنح الرياض شرعية القيادة حين تطلب من أربع عشرة دولة الانضواء تحت مظلتها.
في الموازاة، فإن إعادة توجيه الجزء الأكبر من الصادرات النفطية عبر خط الأنابيب نحو محطة ينبع لم تكن مجرد إجراء لوجستي طارئ، بل هي التي أعادت عملياً ترتيب سلّم الأولويات الجغرافية للمملكة: حوّلت البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، بين ليلة وضحاها، من ممرات ثانوية إلى شريان الحياة الفعلي لصادرات الطاقة. وهذا ما يفسّر لماذا اختارت الرياض أن يقتصر مجال التحالف البحري الجديد على هذه الممرات الثلاثة تحديداً دون مضيق هرمز نفسه: التحالف مصمَّم لحماية البديل الذي تعتمد عليه المملكة فعلياً اليوم، لا لاستعادة الممر الأصلي الذي لا تملك الرياض وحدها القدرة على إعادة فتحه من أجل عيون ترامب الذي دخل في مواجهة غير محسوبة العواقب مع ما تبقى من قيادات الحرس الثوري الإيراني.
أما التحالف البحري المعلن رسمياً في 30 تموز 2026 عقب اجتماع استضافته وزارة الدفاع السعودية في الرياض، فتفاصيله الرسمية تُظهر نطاقاً أوسع مما توحي به الأرقام الأولية: من أصل واحد وخمسين دولة ومنظمة دولية وُجِّهت إليها الدعوة، شارك في الاجتماع رؤساء أركان أو ممثلوهم من ثلاث وأربعين دولة — حضوراً أو عبر الاتصال المرئي — إلى جانب مندوبية الاتحاد الأوروبي لدى المملكة، وهو معدّل حضور يقترب من 85 في المئة من الجهات المدعوّة، ويعكس، بحسب البيان الرسمي الصادر عن الوزارة، "مدى الاهتمام الدولي المتزايد بتعزيز التعاون الدفاعي البحري".
لقد تركّز نقاش المشاركين على التهديدات المتصاعدة التي تستهدف أمن الملاحة: الهجمات على السفن التجارية، ومخاطر نقل الطاقة والبنية التحتية تحت سطح البحر، وتهديد استقرار سلاسل الإمداد العالمية والاقتصاد الدولي — بما يؤكد أن التحالف صُمِّم استجابة لتهديد مُدرَك ومشترك، لا بوصفه إطاراً رمزياً للتضامن الدبلوماسي وحده.
غير أن التدقيق في تفاصيل الاجتماع يظهر أن ما نوقش لم يقتصر على البيان السياسي وحده، بل امتد إلى مشروع ميثاق التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات ذاته: هيكله المرجعي، ووثائقه التنظيمية، وترتيبات القيادة والسيطرة، وآليات التشغيل — وهو ما يضع التحالف، من الناحية الشكلية على الأقل، في مرحلة أكثر تقدماً من مجرد إعلان النوايا. وقد اتفق المشاركون على أن تكون المملكة العربية السعودية الدولة المؤسِّسة والمستضيفة للتحالف، بما يشمل استضافة مقره الرئيس على أراضيها — وهو ترتيب يمنح الرياض، إلى جانب الشرعية السياسية التي توفرها قيادتها للمبادرة، أفضلية مؤسسية دائمة في تشكيل قواعد عمل التحالف ومساره المستقبلي، بصرف النظر عمّن ينضم إليه لاحقاً من الدول. كما اتفق المشاركون على مواصلة عمل المخططين العسكريين من الدول الراغبة بالانضمام خلال المرحلة المقبلة، لاستكمال الصيغة النهائية للميثاق ووثائقه المرجعية، والهيكل التنظيمي، وترتيبات القيادة والسيطرة، وآليات التشغيل، وتشكيل الأطر والفرق التشغيلية اللازمة، تمهيداً للتوقيع النهائي على الميثاق وإطلاق التحالف ومباشرته مهامه. هذا التسلسل يؤكد القراءة السابقة: الرياض لا تفتقر إلى تصور مؤسسي، بل تختار عمداً أن يتبلور هذا التصور بمعزل عن ضغط اللحظة الراهنة.
إلا إن غياب دولة الإمارات وسلطنة عُمان عن التحالف يحمل بدوره دلالة تتجاوز مجرد التغيّب: فأبوظبي، بقدراتها البحرية المتقدمة وتموضعها عند مدخل الخليج، تُدير على الأرجح حساباً خاصاً بها يوازن بين المنافسة التقليدية مع الرياض على قيادة ملفات الأمن الخليجي والبحر الأحمر، وبين رغبتها في إدارة علاقتها مع طهران بوتيرة مختلفة عن وتيرة السعودية، فضلاً عن تفضيلها العمل ضمن أطر قائمة كقوات المهام المشتركة مع واشنطن، مع الوقوع التام في الحضن الإسرائيلي. أما مسقط، فغيابها متوقَّع ومتّسق مع عقيدتها التاريخية في الحياد، خصوصاً أن مضيق هرمز نفسه — حيث تتمركز عُمان — ليس من بين الممرات التي يغطيها التحالف. الرياض، على الأرجح، تدرك أن هذين الغيابين لا يشكّلان صدعاً دائماً، بل مساحة تُترك عمداً مفتوحة لانضمام لاحق حين تتبدّل الحسابات الإقليمية.
لعل أكثر ما يستحق التوقف عنده في مخرجات الاجتماع هو قائمة الدول الأربع عشرة التي أصدرت بياناً مشتركاً مؤكِّدة دعمها لمشروع التحالف ومرحِّبة بما تحقق من توافق حول ترتيباته التأسيسية: المملكة العربية السعودية، والكويت، والبحرين، وقطر، وباكستان، وتركيا، والأردن، ومصر، والسودان، واليمن، وبنغلاديش، وجيبوتي، والصومال، ونيجيريا. هذه القائمة، بقراءتها الجغرافية والسياسية، تكشف عن ائتلاف يتجاوز حدود مجلس التعاون الخليجي التقليدي إلى ثلاث دوائر متداخلة: دائرة الخليج (الكويت والبحرين وقطر)، ودائرة الدول المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن وامتداداتها الأفريقية (مصر والسودان واليمن وجيبوتي والصومال)، ودائرة الشراكة الإسلامية الأوسع خارج نطاق الجوار الجغرافي المباشر (تركيا وباكستان وبنغلاديش ونيجيريا). هذا التوزّع ليس عرضياً: فهو يمنح الرياض غطاءً يتجاوز صفتها الخليجية الضيقة إلى موقع الفاعل الذي يقود تحالفاً إسلامياً وأفريقياً وآسيوياً واسعاً لحماية ممرات تُعَدّ شرياناً حيوياً ليس فقط للمملكة، بل لعشرات الدول التي تمر عبرها تجارتها وإمداداتها من الطاقة والغذاء على حد سواء. كما أن حضور دول ذات قدرات بحرية محدودة نسبياً، كجيبوتي والصومال، يعكس أولوية سياسية-رمزية — تثبيت الشرعية الجغرافية للتحالف عبر ضم الدول المطلة مباشرة على الممرات الثلاثة — أكثر من كونه إضافة ثقيلة الوزن للقدرة التشغيلية الفعلية، التي ستبقى، على الأرجح، محكومة أساساً بما تسهم به الرياض والقاهرة وأنقرة وإسلام آباد تحديداً.
أخيراً، فإن حرص الرياض على تقديم تحالفها بوصفه مكمِّلاً لا بديلاً عن الأطر الدولية القائمة — من قوات المهام المشتركة إلى عمليتي 'حارس الازدهار' الأميركية و'أسبيدس' الأوروبية — يعكس مناورة موازنة دقيقة: توسيع الملكية الإقليمية والإسلامية لملف أمن الملاحة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقة تعاونية مع واشنطن دون طلب عضويتها الرسمية. هذا التوازن يمنح الرياض مساحة قيادة إقليمية دون استفزاز الشريك الأميركي أو التفريط بدعمه الاستخباراتي واللوجستي المحتمل مستقبلاً.
الاستشراف
لقد أشار البيان الختامي للاجتماع إلى أن عدداً من الدول الأخرى المشاركة لا يزال بصدد استكمال إجراءاته وموافقاته الوطنية الداخلية للانضمام إلى البيان المشترك، وأن باب الانضمام سيبقى مفتوحاً أمام الدول الأخرى الراغبة بعد استكمال إجراءاتها — وهو ما يوحي بأن قائمة الدول المؤسِّسة الأربع عشرة نواة أولى مرشحة للتوسع، لا تشكيلة نهائية مغلقة. من المرجح أن تشهد الأشهر المقبلة إعلاناً تدريجياً عن هيكلية قيادة وميثاق تأسيسي للتحالف، مع تمارين بحرية رمزية تهدف إلى إظهار النية التشغيلية قبل تحقق التكامل الفعلي بين قدرات أعضائه المتفاوتة. لا يُستبعد أن يشكّل أي تصعيد حوثي-إيراني جديد ضد الملاحة اختباراً مبكراً لقدرة التحالف على تجاوز البيان المشترك نحو استجابة جماعية فعلية. وفي حال نجحت الرياض في ترجمة هذا الزخم السياسي إلى قدرة تشغيلية حقيقية، فإنها ستكون قد أرست نموذجاً جديداً لقيادة إقليمية سعودية تستمد شرعيتها من الفعل، لا من الإعلان وحده؛ أما إخفاقها في ذلك فسيُبقي التحالف رمزاً دبلوماسياً يفوق قدرته التشغيلية الفعلية.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



