دولي وعربي


إسرائيل قلقلة..

الخميس 5 تشرين الثاني 2026 - 0:03

في ظل التحولات السياسية التي أفرزتها الانتخابات النصفية الأميركية، وما حملته من انتصار واسع للديمقراطيين، تتزايد المخاوف في إسرائيل من تبدّل طبيعة العلاقة مع واشنطن، ولا سيما في ما يتعلق بالمساعدات العسكرية والسياسة الإسرائيلية في المنطقة.

في هذا السياق، يقرأ الصحافي والمحلل السياسي الإسرائيلي في صحيفة "هآرتس" دلالات موقف ترامب من المساعدات، محذراً من أن التحدي الأكبر أمام إسرائيل قد يأتي من الكونغرس المقبل، الذي يُتوقع أن يكون أكثر تشدداً في التعامل معها وذلك في مقالة له تحت عنوان: ""إعلان ترامب بشأن المساعدات ليس سوى البداية، فالكونغرس المقبل سيكون أكثر تشدداً في التعامل مع إسرائيل". جاء فيها:

عندما وقّع رئيس الولايات المتحدة ورئيس الحكومة الإسرائيلية مذكرة تفاهُم في أيلول/سبتمبر 2016، كان ذلك بمثابة تقديم مساهمة غير مسبوقة من حيث حجمها؛ إذ بلغت قيمتها 38 مليار دولار، تُدفع على عشر دفعات على مدى عشرة أعوام. وقال الرئيس باراك أوباما آنذاك: "هذا أكبر التزام عسكري مالي تقدّمه الولايات المتحدة على الإطلاق، وهو تعبير عن الالتزام الأميركي تجاه أمن دولة إسرائيل."

وعلى الرغم من أن بنيامين نتنياهو عمل على مساعدة منافسه الجمهوري في الانتخابات الأميركية، ميت رومني، فإن أوباما دخل التاريخ، حتى وإن لم يحظَ بالتقدير في الذاكرة الإسرائيلية، باعتباره الرئيس الذي قدّم لإسرائيل أكبر مساعدة عسكرية في تاريخ الدولة، وعبّر ذلك عن الدعم الذي تحظى به إسرائيل من الحزبَين الأميركيَّين.

غادر أوباما منصبه منذ ذلك الحين؛ أمّا نتنياهو، فنجح في تقويض الدعم الشعبي الذي كانت تحظى به إسرائيل في الولايات المتحدة. بدأ الأمر في أوساط اليسار، ثم امتد إلى اليمين أيضاً.

يا له من ساحر حقاً!

لا يجب أن يثير إعلان دونالد ترامب بشأن إلغاء المساعدات أي مفاجأة؛ ففي الحركة الشعبوية التي يقودها، ترفض قاعدته الانتخابية إرسال دولار واحد إلى أي دولة أجنبية. وعندما "اقترح" نتنياهو هذه الفكرة، كان يحاول استباق الضربة وحماية سمعته من تبعاتها. لقد كانت مؤشرات موقف حركة «ماغا» [لنجعل أميركا عظيمة من جديد] واضحة منذ فترة. ومع ذلك، من المهم أن نفهم أن نهاية السلاح المجاني ليست نهاية القصة، بل على الأرجح مجرد الخطوة الأولى التي ستأتي من واشنطن.

كشف استطلاع أجراه معهد «غالوب» في شباط/فبراير أن الناخبين الديمقراطيين يعارضون المساعدات الأمنية لإسرائيل، بأغلبية ساحقة بلغت 63%، وفي المقابل، أبدى الناخبون الجمهوريون تأييدهم لهذه المساعدات بنسبة 71%، لكن عندما جرى فحص الفجوة بين الأجيال، تبيّن أن نسبة التأييد للمساعدات لدى الجمهوريين الشباب، من جيل الألفية وجيلZ، انخفضت إلى 48%، وهذا الرقم هو الذي يشغل بال نائب الرئيس الانعزالي، جي دي فانس، على وجه الخصوص، إذ يعوّل على الشباب لخوض السباق الرئاسي في سنة 2028.

أمّا الصورة التي رسمها الاستطلاع، فإنها ازدادت سوءاً منذ ذلك الحين. وبعد وقت قصير على نشره، وتحديداً في 28 شباط/فبراير، دخل الجيشان الأميركي والإسرائيلي الحرب في عمق الأراضي الإيرانية. وعلى الرغم من عدم إجراء استطلاع جدّي منذ ذلك الحين بشأن تأييد المساعدات العسكرية لإسرائيل، فإن استطلاعات عديدة أشارت إلى حدوث تدهور حاد في الرأي العام داخل الحزبين، فيما يتعلق بدعم إسرائيل.

أظهر استطلاع «غالوب» أن التأييد لنتنياهو وإسرائيل خلال الحرب تراجع إلى 50% بين الناخبين الجمهوريين الذين تزيد أعمارهم عن 55 عاماً. ولم تقُل سوى نسبة 6% من الجمهوريين الشباب، الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً، إنهم يثقون بنتنياهو بشأن الحرب التي زُجّت الولايات المتحدة بها.

وسُجّلت نسبة شبه مماثلة بين الديمقراطيين الشباب، في مقابل 38% من الديمقراطيين الذين تزيد أعمارهم عن 55 عاماً، والذين أيدوا إسرائيل خلال الحرب. وعبّر نحو 80% من مجموع الديمقراطيين عن غضبهم بسبب جرّهم إلى حرب أُخرى في الشرق الأوسط.

كذلك أظهر استطلاع لوكالة «أسوشيتد برس» أن أغلبية واضحة من الديمقراطيين، بلغت 60%، تُلقي باللوم على إسرائيل، وترى أن نتنياهو جرّ الولايات المتحدة إلى الحرب.
وقدّر استطلاع لمؤسسة«YouGov» أن 61% من الديمقراطيين يحمّلون نتنياهو مسؤولية الإضرار بالعلاقات بين البلدين، بينما قال 68% إنهم سيؤيدون اعتقال نتنياهو وتسليمه لمحكمة لاهاي.
في تصويت مماثل جرى قبل عامين فقط، عارض 18 سيناتوراً ديمقراطياً بيع الأسلحة لإسرائيل. وعندما أعاد ساندرز طرح مقترحه في سنة 2025، ارتفع عدد أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين المؤيدين له إلى 24 سيناتوراً؛ أمّا في التصويت الأخير، في نيسان/أبريل من هذا العام، فنجح ساندرز فعلاً في استقطاب أغلبية أعضاء كتلته، إذ أيّده 36 سيناتوراً من أصل 47.
كذلك أصبح زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، حالة استثنائية داخل حزبه، حين انتقد نتنياهو بسبب الحرب في غزة، وفي رأيه، أنه "يضع بقاءه السياسي فوق مصالح إسرائيل"، لكن في الثالث من كانون الثاني/يناير، سيؤدي الكونغرس الجديد اليمين الدستورية، ومن غير المؤكد على الإطلاق أن يتمكن شومر من الاحتفاظ بمنصبه والتمسك بموقفه في الوقت نفسه؛ فمن المحتمل جداً أن تكلّفه إسرائيل خسارة منصبه على رأس الكتلة الحزبية، وربما حتى مقعده في مجلس الشيوخ، الذي سيُعاد انتخابه بعد عامين.

من غير المتوقع أن يكتفي المشرّعون الديمقراطيون، الذين يُنتظر أن يتمتعوا بالأغلبية في مجلسَي الكونغرس، بوقف المساعدات الأمنية لإسرائيل، لأنهم يطالبون بفرض قيود على الأسلحة، وعلى إسرائيل، فيما يتعلق بالضفة الغربية عموماً.

ففي سنة 2024، دعت مجموعة تضم 17 سيناتوراً و71 عضواً في مجلس النواب إلى فرض عقوبات على وزراء في الحكومة الإسرائيلية يدعمون العنف في الضفة الغربية، وفي مقدمتهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، واقترح آخرون منع المستوطنين المتورطين في أعمال عنف من الحصول على تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة.


ما وراء الأفق: السباق إلى البيت الأبيض في سنة 2028

ربما تكون قدرة الكونغرس على سنّ قوانين تهدف إلى الضغط على إسرائيل، بل معاقبتها، محدودة من الناحية العملية، ما دام ترامب في البيت الأبيض ويمتلك صلاحية استخدام حق النقض "الفيتو"، لكن انتخابات منتصف الولاية تشكل محطة مهمة، ليس فقط بسبب الكونغرس الجديد، بل أيضاً لأنها تمثل صافرة انطلاق السباق الرئاسي، وطالما لا يحظى ترامب بشعبية، فإن الديمقراطيين متفائلون بشأن إمكان استعادة البيت الأبيض في سنة 2028...
مع ذلك، يمكن التقدير بدرجة عالية من الثقة أن المرشحين المختلفين سيتنافسون فيما بينهم بشأن مسألة مَن يستطيع ممارسة أكبر قدر من الضغط على الحكومة الإسرائيلية، لمنع اندلاع حروب إضافية والدفع نحو التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين.

يعرض الديمقراطيون التقدميون، مثل ساندرز وألكساندريا أوكاسيو - كورتيز وعبدول السيد، موقفاً واضحاً وثابتاً منذ أعوام، لكنهم في السباق المقبل، سيكونون على توافُق مع أغلبية مرشحي اليسار والوسط؛ أمّا السيناتور اليهودي عن ولاية جورجيا، جون أوسوف، الذي يُعتبر النجم المحتمل الأكبر لانتخابات اليوم، فيعرّف نفسه بأنه من تيار يسار الوسط، وهو موقف يتناسب مع كونه ممثلاً لولاية متأرجحة تتطلب بناء ائتلاف مع اليمين المعتدل.

وقّع أوسوف أيضاً مقترحات ساندرز في نيسان/أبريل، لكنه أيّد في الوقت نفسه تخصيص ميزانيات لأنظمة الدفاع الإسرائيلية. وهو يراهن على أن هذا الموقف سيكون شائعاً إذا تحققت التوقعات، وأنه ربما يخوض السباق الرئاسي في سنة 2028. وأوضح أسباب معارضته بيع الأسلحة لإسرائيل: "حماس هي التي بدأت هذه الجولة المروعة من الحرب، لكنني لا أعتقد أن على مجلس الشيوخ الأميركي أن يتقبل وضع المدنيين في غزة، بما في ذلك الجوع الذي يعاني جرّاءه الأطفال ولا يُحتمل، نتيجة سياسات حكومة نتنياهو، فضلاً عن أن هذه الأسلحة ربما تصل إلى أيدي الشرطة الخاضعة لسيطرة إيتمار بن غفير؛ وعلى الرغم من معارضتي لنتنياهو وحربه على غزة، فإنني أؤمن بأن على الولايات المتحدة دعم الشعب الإسرائيلي الذي يواجه تهديدات الصواريخ."

*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة