الاثنين 2 تشرين الثاني 2026 - 0:06
تكشف نتائج الانتخابات الأخيرة أن الصوت العربي لم يعد تفصيلاً هامشياً في المعادلة السياسية الإسرائيلية، بل بات عاملاً مؤثراً في رسم موازين القوى.وفي قراءة لافتة، يرى الكاتب الإسرائيلي روفيك رونتال في مقالته في صحيفة "هآرتس" تحت عنوان: "الناخبون العرب أثبتوا أن معسكر التغيير لا يملك أي فرصة من دون تلاحم اجتماعي جامع" أنّ الناخبين العرب أثبتوا أنّ معسكر التغيير عاجز عن تحقيق أي فرصة للفوز من دون تلاحم اجتماعي جامع يتجاوز الانقسامات.
جاء في المقال:
بدأت النتائج الفعلية تتضح بالتدريج، وهي لا تبشر بالخير بالنسبة إلى معسكر التغيير، وتتمثل المفاجأة الكبرى في نجاح حزب الليكود في النهوض من وضعه المتردي، الذي وصل فيه إلى أدنى مستوى ١٨ مقعداً في استطلاعات الرأي، ليكسب سبعة مقاعد، وربما تسعة؛ لقد عكست استطلاعات الرأي مشاعر الاشمئزاز والنفور من الحزب ورئيسه، لكن هذه المشاعر تلاشت بفعل ما يمكن تسميته "متلازمة اليد المرتجفة"؛ وهي من العوامل الأقل تقديراً في النتائج النهائية؛ لقد استحوذ بنيامين نتنياهو على الأصوات من داخل معسكره، وترك بن غفير وسموترستش في حالة ذهول، وهو ضرر جانبي إيجابي بكل تأكيد.
والسؤال هو: كيف تمكن الليكود من تحقيق ذلك؟
من المؤكد أن نتنياهو ساهم في ذلك بحملته التخويفية الكاذبة والمراوغة، التي عمل فيها على خلق صورة زائفة توحي بوجود توتّر أمني؛ لقد نجح في ذلك؛ فهو ينجح دائماً. وفي نهاية المطاف، الخوف هو أعمق المشاعر الإنسانية وأكثرها تأثيراً في النفس البشرية، لكن هذا وحده لا يفسّر القفزة الكبيرة التي حققها الحزب، ولفهم هذه القفزة، يجب النظر إلى معسكر التغيير، باعتباره الصورة المعاكسة للّيكود.
فالليكود هو اليوم الحزب الوحيد الذي حافظ، عبر الأجيال، وبالتأكيد منذ سنة 1977، على تقاليد ليكودية وعائلية ومحلية وعشائرية. مثل هذه التقاليد لا يُبنى في يوم واحد، ولا يمكن هدمها في يوم واحد، ويمكن للمرء أن يعارض بشدة شخصية الحزب وقيادته، لكن لا يمكن الإنكار أنه حزب يمثل حركة شعبية ذات جذور راسخة في المجتمع. لقد تحوّل نتنياهو إلى رمز جامع، لكن الحزب سيواصل الحفاظ على طبيعته حتى بعد رحيله.
أمّا الحريديم، فيستمدون قوتهم من جذور اجتماعية متعددة الأذرع، لكنهم يعانون جرّاء انقسامات مفرطة، كما أن النزعة الشمولية الكامنة في أساس بنيتهم بدأت بالعمل ضد مصالحهم.
• وماذا يحدث في الجانب الآخر؟ إن حزب "يشار" وهو الحزب الأكبر، تم تأسيسه خلال سنة، أو سنتين، من دون قاعدة اجتماعية واضحة، ومن دون تقاليد راسخة؛ لقد نجح غادي أيزنكوت في بناء صورة قيادية تتمتع بصفات مفاجئة، لكن ذلك لا يكفي؛ أمّا نفتالي بينت، فلم يتمكن طوال مسيرته السياسية المتعرجة من إنشاء حركة تلتف حوله؛ وكذلك حزب "أزرق أبيض" الذي تلاشى، كان حزباً بلا تقاليد، ومن دون قاعدة اجتماعية متينة.
ومن بين جميع أحزاب الوسط، كان حزب "يوجد مستقبل" (يش عتيد) الوحيد الذي أظهر ملامح حركة سياسية أصيلة، لكن هذا لم يكن كافياً أيضاً، ويعود جزئياً إلى أن "الوسط" عبارة عن مجموعة تضم عدداً كبيراً من الشخصيات والناخبين، لكنها تفتقر إلى رؤية واضحة. ولولا اتحاده مع بينت، لكان من المشكوك فيه أن يتمكن الحزب من تجاوُز نسبة الحسم الانتخابية.
أمّا القصة الكبرى، فهي قصة حزب العمل، الذي كان منذ البداية حركة سياسية أصيلة، ذات جذور تاريخية، حتى وإن شهد خلافات حادة في داخله، وكان قادراً على استهلاك قادته والتخلص منهم، لكن هذه الحركة أخذت تتفكك من الداخل، خطوةً بعد أُخرى، وفقدت هويتها والرابطة الاجتماعية الجامعة التي لا يمكن من دونها قيام حركة حقيقية، بما في ذلك الحركة السياسية.
حزب "ماباي" مات نهائياً بسبب غرور ميراف ميخائيلي السياسي، التي أعلنت العودة إلى إرث يتسحاق رابين، فدمرت المعسكر ومهّدت الطريق للحكومة الرهيبة التي قامت على أنقاضه؛ أمّا الجناح اليساري في حزب العمل، فأنجب حزب "ميرتس"، الذي اختفى في عاصفة انتخابات سنة 2022، ولن يتمكن من استعادة عافيته.
ويحمل حزب "الديمقراطيين" ملامح حركة يسارية متجددة، تتردد فيها أصداء حزب "ماباي" القديم و"ميرتس" القديم؛ لذلك تمكن من الحفاظ على نواة مؤيديه، لكن ذلك لا يزال قليلاً جداً، ومثيراً للحزن، وخصوصاً عندما نتذكر حجم وقوة حزب العمل قبل ثلاثين عاماً فقط.
وفي مواجهة كل هذه الأحزاب، نهض وانتفض القطاع الأكثر هشاشةً في المجتمع الإسرائيلي، وهو القطاع العربي.
إنه قطاع ذو طابع عشائري، يمتلك جذوراً عميقة، وتأتي الخلافات الداخلية فيه في مرتبة ثانوية، مقارنةً بالهوية والانتماء العشائري والثقافة المشتركة. لقد تدفّق أفراده إلى صناديق الاقتراع بأعداد كبيرة، ولقّنونا جميعاً درساً في كيفية المشاركة السياسية.
*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



