دولي وعربي


كلام إسرائيلي عن معضلة مساعدة لبنان اقتصادياَ؟

الثلاثاء 3 تشرين الثاني 2026 - 0:04

في مقاربة تكشف جانباً من الحسابات الإسرائيلية تجاه لبنان، يطرح الباحثان في معهد دراسات الأمن القومي أورنا مزراحي وناعوم بينشتوك، معضلة توظيف المساعدات الاقتصادية وإعادة الإعمار كأداة ضغط سياسي، في مسار يهدف إلى إضعاف حزب الله، وسط تساؤلات حول حدود قدرة الدعم الدولي على تحقيق هذه الأهداف، وانعكاساتها على مستقبل لبنان.وذلك في دراسة تحت عنوان: "بين إعادة إعمار لبنان وإضعاف حزب الله: معضلة المساعدات الاقتصادية" جاء فيها:

وجد لبنان نفسه، خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، غارقاً في حروب لم تكن حروبه ضد إسرائيل، بل خاضها خدمةً لمصالح حزب الله وإيران، ولم تؤدّ هذه الحروب سوى إلى تفاقُم وضعه الاقتصادي، الذي كان يعاني أصلاً جرّاء أزمة حادة منذ سنة 2009.

تحتاج الدولة اللبنانية إلى مساعدات خارجية عاجلة لإنعاش اقتصادها وإعادة إعمار الأضرار التي خلّفتها الحروب، ولا سيما في أوساط السكان الشيعة في الجنوب؛ كذلك يواجه حزب الله نفسه وضعاً اقتصادياً ومالياً صعباً، في أعقاب قراره بشأن الانضمام إلى حركة "حماس" وفتح جبهة إسناد للفلسطينيين في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، ثم قراره لاحقاً استئناف القتال، خدمةً للمصلحة الإيرانية، بعد نحو نصف عام على وقف إطلاق النار، الذي بدأ في ٢٧ تشرين الثاني/نوفمبر 2024، واستمر حتى آذار/مارس 2026.

وتُطرح على جدول الأعمال المعضلة التالية: هل يمكن تقديم مساعدات اقتصادية للبنان، وكيف يمكن ذلك في ظل قيادته الحالية مع الحفاظ على الضغوط الرامية إلى إضعاف حزب الله، ومنع احتمال توظيف هذه المساعدات لخدمة التنظيم والإبقاء على تبعية السكان الشيعة له؟

الحاجة المُلحّة إلى مساعدة لبنان على إنعاش اقتصاده

أدّت مشاركة حزب الله في حرب "السيوف الحديدية"، في تشرين الأول/ أكتوبر 2023 –  تشرين الثاني/نوفمبر 2024. إلى إلحاق أضرار جسيمة بالدولة اللبنانية، مباشرة وغير مباشرة، أضيفت إلى الأضرار الناجمة عن الأزمة الاقتصادية في لبنان.

ووفقاً لمعطيات البنك الدولي، انكمش الاقتصاد اللبناني بنسبة 40% في الفترة ٢٠١٩ -2024؛ ومع ذلك، سُجّل، عقب وقف إطلاق النار في سنة 2025، اتجاه طفيف نحو التعافي، تمثلَ في نمو بنسبة 4.7%، لكن هذا الاتجاه انعكس بعد استئناف القتال في آذار/مارس 2026.
فينيسان/أبريل 2026، تم التوصل مجدداً إلى وقفٍ لإطلاق النار، وبدأت المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، والتي أفضت إلى "اتفاق الإطار" في حزيران/يونيو 2026، لكن وجود الجيش الإسرائيلي في نحو 6%  من مساحة لبنان في الجنوب، واستمرار المواجهة مع حزب الله، يعرقلان إعادة إعمار الأضرار التي خلّفتها الحرب وتحسين الوضع الاقتصادي...
وإلى جانب الأضرار الجسيمة التي خلّفتها الحرب، يواصل الاقتصاد اللبناني معاناته جرّاء مشكلاته المعروفة التي كانت قائمة عشية الحرب؛ فلدى لبنان ميزانية محدودة لا تتيح توفير مستوى كافٍ من الخدمات للسكان؛ كذلك يعاني جرّاء تضخُّم مرتفع، أدى إلى تآكل أكثر من 98% من قيمة الليرة اللبنانية منذ اندلاع الأزمة في سنة 2019، الأمر الذي دفع الاقتصاد الناشط، القائم على التعاملات النقدية، إلى اعتماد الدولار على نطاق واسع. وإلى جانب ذلك، هناك الفساد وسوء أداء مؤسسات الدولة كافة، فضلاً عن النظام المصرفي الذي لم يتعافَ بعد من الأزمة المالية التي عصفت به.

يعود ذلك أساساً إلى ارتفاع أسعار الخدمات في مجالات الطاقة والتعليم والغذاء. وتشهد الشوارع اللبنانية ازدياداً في مظاهر الاحتجاج على الوضع القائم، لكن الحكومة اللبنانية تواجه صعوبةً في الاستجابة للمطالب المتعلقة بزيادة رواتب الموظفين التي تآكلت قيمتها.

وعلى الرغم من حاجة لبنان المُلحّة إلى مساعدات خارجية واسعة النطاق، فإن هذه المساعدات لا تزال تتأخر. وتتمثل إحدى العقبات الرئيسية في صعوبة وفاء لبنان بالشروط التي وضعها صندوق النقد الدولي أمامه في نيسان/أبريل 2022، للحصول على تمويل بقيمة 3 مليارات دولار...
ضائقة حزب الله الاقتصادية

أدت الضربات القاسية التي تلقّاها حزب الله خلال القتال مع إسرائيل إلى تغيير وجه التنظيم، وأدخلته أيضاً في أزمة اقتصادية حادة، يرى بعضهم أنها ربما تكون الأسوأ في تاريخه، وذلك للأسباب الرئيسية التالية:

- الارتفاع الكبير في حجم نفقات التنظيم، نتيجة انخراطه المتواصل في القتال؛ فحزب الله بحاجة ماسة إلى الأموال لإعادة بناء منظوماته التنظيمية التي تضررت، وشراء الأسلحة، وتجديد بنيته التحتية، وتجنيد وتدريب عناصر عسكرية جديدة لتحلّ محل الذين قُتلوا، فضلاً عن التمويل اللازم لتسيير نشاطه اليومي.

- الحاجة إلى الوفاء بالتزاماته تجاه السكان الشيعة الذين تضرروا من الحرب؛ إذ لم يعُد أكثر من 300 ألف من سكان مناطق القتال إلى منازلهم. وأعلن حزب الله في 13 تشرين الأول/أكتوبر إطلاق برنامج لمساعدة النازحين الذين دُمرت منازلهم، وتعهّد بدفع ما يصل إلى ١٤ ألف دولار لكلّ وحدة سكنية، لكن يبدو كأنه يواجه صعوبة في تلبية مطالب هذه الشريحة السكانية التي تشعر بخيبة أمل، ويتبنى نهجاً يقوم على أن الدولة اللبنانية هي التي يجب أن تقدم لها المساعدة.

- الضربة القاسية التي تعرّض لها مصرف حزب الله "القرض الحسن" جرّاء سلسلة الغارات الإسرائيلية المركزة على فروعه، والتي ألحقت أضراراً بقدرة حزب الله على إدارة اقتصاده الموازي داخل المجتمع الشيعي، ولا سيما تقديم المدفوعات والقروض، فاضطر التنظيم إلى تقليص عدد فروعه، وأصبح يعمل حالياً بصورة أكثر سرّية وتخفياً.

- الضغوط الاقتصادية على إيران، التي باتت تواجه صعوبة في مساعدة حزب الله، مثلما كانت تفعل في السابق، ويعود ذلك إلى الصعوبات التي تواجهها في قنوات تحويل الأموال المعروفة التي كانت تستخدمها سابقاً، فضلاً عن أزماتها الاقتصادية الداخلية.

وتوجد تقارير متضاربة بشأن حجم المساعدات الإيرانية التي يتلقاها حزب الله حالياً؛ نشرت قناة "إيران إنترناشيونال" الإخبارية، في7  تشرين الأول/أكتوبر، تقريراً يفيد بأن مسؤولين إيرانيين يواصلون نقل حقائب من الأموال النقدية إلى لبنان، وذلك في أعقاب تقرير سابق لوكالة رويترز بشأن تحويل 200  مليون دولار خلال شهر أيلول/سبتمبر الماضي، بهدف دفع تعويضات للمتضررين الشيعة من الحرب. ومع ذلك، نفى مسؤول أميركي رسمي صحة هذا التقرير، ومن المحتمل أن يكون الأمر تسريباً من جانب التنظيم بهدف تخفيف خيبة أمل أنصاره من أبناء الطائفة الشيعية.

- اتساع نطاق الجهود الدولية لوقف التحويلات المالية غير القانونية إلى حزب الله. وتتولى وزارة الخزانة الأميركية، ولا سيما مكتب مراقبة الأصول الأجنبية(OFAC)، قيادة هذه الجهود، عبر توسيع نطاق العقوبات والتصنيفات التي تستهدف مؤسسات وأطرافاً مرتبطة بحزب الله وأشخاصاً يقدمون له الدعم.

في آب من العام الحالي، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شبكة من الوسطاء وشركات الصرافة الوهمية التي حوّلت ملايين الدولارات إلى حزب الله. وتشارك في هذه الجهود جهات من أوروبا، فضلاً عن دول في أميركا الجنوبية، حيث تقود الأرجنتين تحركات ضد حزب الله في هذا المجال.

- التغيّر في المكانة الداخلية للتنظيم، في ظل محاولات الحكومة اللبنانية الجديدة الحدّ من تحركاته وتقليص سيطرته على المعابر الحدودية والوزارات الحكومية التي كان يستمد منها الأموال لمصلحته. ويأتي ذلك في إطار الانتقادات الواسعة الموجهة إلى التنظيم، ومعارضة الجمهور اللبناني لحربه التي خاضها خدمةً لإيران؛ كذلك يبدو كأن دعم السكان الشيعة، الذين تضرروا من الحرب ولم يجدوا حتى الآن سبيلاً لمعالجة أوضاعهم، آخذ في التراجع. وفي هذا السياق، نُشرت مؤخراً نتائج استطلاع أجراه معهد"Lebanon Statistics"  أظهرت أن 63% من الشيعة في لبنان يؤيدون التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل، وأن 66% يؤيدون نقل سلاح حزب الله إلى الدولة اللبنانية، وإلى جانب ذلك، تبرز أيضاً حالة من عدم الاستعداد لدى المصارف والجهات الخاصة للتعاون مع الآليات المالية التابعة لحزب الله.

مع ذلك، لا يفقد حزب الله الأمل بالعثور على مسارات جديدة، أو إعادة تفعيل أساليب قديمة، لتحسين وضعه المالي؛ فإلى جانب مواصلة تهريب الأموال النقدية في حقائب قادمة من الخارج، يواصل التنظيم استخدام العملات المشفّرة وأساليب التهريب، مثل نظام "الحوالة"، وهو أسلوب لتحويل الأموال، عبر شبكة من الوسطاء الذين يجرون تسوية الديون فيما بينهم خارج النظام المصرفي.
كذلك يواصل حزب الله استنزاف مصادر التمويل الشحيحة المتاحة لدى الحكومة اللبنانية، ومن ذلك استخدام أموال السلطات المحلية التي تخضع لسيطرة وزير المالية، وهو منصب تشغله، تقليدياً، شخصية شيعية.

ثمة مصدر آخر للتمويل يتمثل في الجاليات الشيعية في الخارج، ولا سيما في غرب أفريقيا وألمانيا والولايات المتحدة، والتي يمكن أن تتحول إلى ما يشبه "خزنة الطوارئ" التي يعتمد عليها حزب الله في إعادة بناء قدراته. وعلى سبيل المثال، يصنَّف غالب كجك، زعيم أحد أكبر المراكز الشيعية في أفريقيا، والواقع في العاصمة أبيدجان في ساحل العاج، باعتباره أحد أكبر المتبرعين للتنظيم.

هل يمكن تقديم المساعدة للبنان من دون تعزيز حزب الله؟

في أعقاب الحروب الأخيرة، تلوح فرصة لإحداث تغيير في ميزان القوى الداخلي بين حزب الله والدولة اللبنانية، ويأتي ذلك في ضوء تطوُّرين متزامنَين: الضعف الحالي الذي يعاني جرّاءه حزب الله، والتغيير في القيادة اللبنانية، المتمثلة في رئيسَي الجمهورية والحكومة، اللذين يرغبان في إصلاح لبنان، وإنهاء استقلالية حزب الله، وتقليص النفوذ الإيراني. 

ويمكن للمساعدات الاقتصادية الخارجية أن تؤدي دوراً مهماً في دفع هذه التوجهات نحو مسار إيجابي، لكن مصدر القلق الرئيسي يتمثل في احتمال أن تتحول الأموال المخصصة لإنعاش الاقتصاد اللبناني، أو لإعادة إعمار المناطق والسكان الذين تضرروا من الحرب، إلى أداة تخدم مصالح حزب الله، نظراً إلى أن عناصره، إلى جانب شخصيات من حركة أمل الشيعية المتعاونة معه، منخرطون في الحكومة، وفي جميع مؤسسات الدولة.

توجد ثلاثة توجهات رئيسية للتعامل مع هذه المعضلة المتعلقة بالمساعدات الاقتصادية للبنان:
- 
التوجه الأول:تقديم المساعدات بالتعاون مع الحكومة اللبنانية، سواء لإنعاش الاقتصاد، أم لإعادة إعمار الأضرار الناجمة عن الحرب.

تكمن نقطة الضعف الرئيسية في هذا الموقف في صعوبة منع تسرُّب الأموال إلى جيوب حزب الله، أو تحويلها عبر جهات مرتبطة به، بما يتيح له الادعاء أن هذه المساعدات قُدمت بفضله، الأمر الذي من شأنه الحفاظ على مكانة التنظيم، ولا سيما في نظر السكان الشيعة الذين يتولى دعمهم.
- 
التوجه الثاني:الامتناع من تقديم أي مساعدات في المرحلة الحالية، ولا سيما تلك المخصصة لإعادة إعمار المناطق والسكان الشيعة، مع مواصلة ربط أي دعم اقتصادي للبنان بنزع سلاح حزب الله.

- التوجه الثالث:تقديم المساعدات لتحسين أوضاع السكان من غير الشيعة، عبر إطلاق مشاريع مخصصة لمعالجة حاجات الطوائف الأُخرى في لبنان، ولا سيما السنّة والمسيحيين والدروز، الذين يعانون بدورهم جرّاء الأوضاع الاقتصادية الصعبة. ويهدف هذا التوجه إلى تعزيز هذه الطوائف في مواجهة الشيعة، مع مواصلة ممارسة الضغوط على السكان الشيعة لإبعادهم عن حزب الله.

لإسرائيل مصلحة واضحة في تعزيز الدولة اللبنانية ومواصلة إضعاف حزب الله، لكن قدرتها على التأثير في مسألة تقديم المساعدات للبنان محدودة. ويأتي تأثيرها أساساً عبر الحوار مع الولايات المتحدة، التي تدرك أهمية تقديم المساعدات للبنان وتعمل على الدفع بهذا المسار قدماً.
من وجهة نظرنا، ينبغي لإسرائيل الانخراط في الجهود الأميركية والدولية الأُخرى، ودعم تقديم المساعدات للاقتصاد اللبناني، وكذلك المساعدات المخصصة لإعادة إعمار الجنوب، لكن مع المطالبة بإنشاء آليات رقابية مخصصة وخاضعة للإشراف، بهدف الحد من تدخّل الجهات التابعة لحزب الله ومنع استخدام هذه الأموال لخدمة مصالحه.

في هذا السياق، يمكن المطالبة باتخاذ الإجراءات التالية:

- تحييد الوزارات والمؤسسات الخاضعة لسيطرة حزب الله عن التعامل مع أموال المساعدات وعمليات إعادة إعمار المناطق الشيعية.

- تحويل الأموال إلى السكان الشيعة مباشرةً عن طريق "مجلس إعادة الإعمار والرقابة"، بدلاً من تحويلها عبر "مجلس الجنوب"، مع إبراز مساهمة الدولة اللبنانية في تقديم هذه المساعدات.
- 
إنشاء هيئة متخصصة للتحقق من أهلية النازحين للحصول على المساعدات، وتقديم الدعم للعائدين إلى المناطق التي يخليها الجيش الإسرائيلي، مع الحد من دور المؤسسات المدنية التابعة لحزب الله وإقصائها عن هذه العملية.

- وضع آلية رقابية تضمن ألّا يكون أيّ من المقاولين المنفّذين للمشاريع من عناصر حزب الله، وأن تصل الأموال إلى الجهات والأغراض المخصصة لها.

يجب تنفيذ هذا كله بالتوازي مع مواصلة الضغوط العسكرية على حزب الله من جانب إسرائيل، والضغوط الاقتصادية من جانب الولايات المتحدة والجهات الدولية.

*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة