السبت 10 تشرين الأول 2026 - 0:00
كتب (الدكتور سامح الزين)
أيها المفتون، اتقوا الله في دينكم وصلاحكم وإصلاحكم.
حافظوا على وسطيّتكم ومصلحة الدار والأمة، ولا تتحولوا إلى طرف فتخسروا أمانتكم ومواقعكم، خاصةً من استلم الأمانة بغير حق، بل بالهيمنة والاستلاب. سوف تُحاسبون وتُسألون.
اجتمع مجلس المفتين، وكنا في الساحة السنية ننتظر منه موقفًا يفتح باب الحل، وأن يضع خارطة طريق للخروج من الأزمة، لا بيانًا يزيد الأزمة تعقيدًا ويوجّه المسار نحو مزيد من التعقيد.
أنا أعرف معظم أصحاب السماحة المفتين شخصيًا، ومن أعرفه منهم أثق بدينه وخلقه، ومن لا أعرفه لم أسمع عنه إلا الخير. لذلك، أنا، حقيقةً، مستغرب لهذا البيان ومتعجب من مضمونه.
أقولها اليوم من موقع الحرص لا الخصومة: المطلوب من المجلس الشرعي أولًا، ثم مجلس المفتين، أن يكون خشبة خلاص، لا طرفًا في الاشتباك.
لا يصح أن يُصوَّر من تقدّموا بالدعوى وكأنهم يستهدفون دار الفتوى أو يطعنون بالمقام، وأن نُعرّض بهم مباشرةً أو بصورة غير مباشرة. وهنا أسأل السادة المفتين: هل تتعرّضون بدين القاضي الشيخ عبد العزيز الشافعي، والقاضي الشيخ همام الشعار، والشيخ جميل عيتاني، رحمه الله، والشيخ إبراهيم طه بيضون؟ هؤلاء رجال نذكرهم بالخير، ولا نعرف عنهم إلا الخير، ونعرف غيرتهم وصدقهم وحرصهم على المؤسسة والطائفة.
في المقابل، كلنا يعلم الشبهات التي تحوم حول قرار رفع سن التقاعد للمفتي، وكيف أنه تمّ بليل مظلم، بلا أب ولا أم...
أليست دار الفتوى والمفتي شخصيًا مَن حثّ اللبنانيين والمسلمين على الوقوف خلف الدولة ومؤسساتها؟ فلماذا يُرفض اليوم قرار مجلس شورى الدولة؟!
مثلًا، عندما كنا نقول له: يا صاحب السماحة، المحكمة العسكرية ظلمت شبابنا ومشايخنا! كان يقول: يجب أن نحترم الدولة ومؤسساتها. اليوم، لم نعد نحترم قرارات الدولة!
على كل حال، قد نختلف في التقدير، لكن لا يجوز تحويل الخلاف إلى تخوين أو تشكيك في النيات.
المؤمن رجّاع إلى الحق، والرجوع إلى الحق ليس ضعفًا، بل قوة وشجاعة وأمانة. أما المكابرة فليست حلًا، ولا تحفظ مقامًا، ولا تنقذ مؤسسة.
دار الفتوى تحتاج اليوم إلى خارطة طريق واضحة للخروج من الأزمة بأقل الخسائر. تحتاج إلى حكمة، لا إلى تصعيد؛ إلى مراجعة، لا إلى إصرار؛ إلى إنقاذ، لا إلى مكابرة.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه.
إن الكرامة المؤسسية يجب أن تتقدم على الكرامة الشخصية، لأن الأشخاص، مهما علت مقاماتهم، يأتون ويمضون. أما المؤسسات، فإذا انكسرت هيبتها، فإن ترميمها يحتاج إلى سنوات طويلة.
لهذا، فإن المخرج الأكرم والأعقل اليوم هو استقالة تحفظ ما تبقى من الهيبة، ووقف الدفاع السياسي والديني الانفعالي عن قرار صار عبئًا، وفتح الباب أمام انتقال هادئ يعيد الاعتبار إلى دار الفتوى بوصفها مؤسسة، لا موقعًا شخصيًا.
دار الفتوى لا تُحمى بالمكابرة. دار الفتوى تُحمى بالشورى والقانون الشفاف، وبالقاعدة العلمية الرصينة، وبالتواضع أمام المؤسسة، وبالقدرة على القول، في اللحظة المناسبة: المقام أكبر من الشخص.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



