خاص أيوب


لماذا يخافون من الشيخ أمين الكردي؟

الأربعاء 12 آب 2026 - 0:00

كتب (أيوب)

كثيرة هي الإشاعات والتقارير المزيّفة التي كُتبت بحق أمين الفتوى في الجمهورية اللبنانية، الشيخ أمين الكردي. فتارةً يُتّهم بأنه من جماعة الإخوان المسلمين، وتارةً أخرى بأنه سلفي الهوى والمنطق، وآخر التهم أنه مقرّب من الأحباش (أنصار جمعية المشاريع). بين كل هذه التهم، استجدّت تهمة جديدة تقول بالحرف إنه كثير الصعود إلى دمشق، عاصمة الأمويين. وعندما لم تنفع معهم كل تلك التهم، قالوا عنه إنه شديد لا يلين. القصة فقط أنهم لا يريدون أن يصل هذا الشخص إلى الإفتاء، مع أنه أكد مراراً وتكراراً، أمام الصديق والغريب، أنه لا يسعى إلى هذا المنصب، ولا يريد الصراع مع أيٍّ من المؤمنين.

اسم الشيخ أمين الكردي يفرض نفسه عند الحديث عن مستقبل دار الفتوى. ليس الرجل وافداً جديداً إلى المؤسسة، ولا اسماً جرى استحضاره من خارجها، بل هو واحد من أبنائها الذين تدرّجوا في مواقعها على مدى أكثر من ثلاثة عقود.

هنا تحديداً يبدأ السؤال السياسي: لماذا يمكن أن يشكّل وصول شخصية من وزن الكردي إلى موقع مفتي الجمهورية إرباكاً لبعض مراكز النفوذ السنية التقليدية؟

الإجابة لا تتعلّق بموقف معلن من جهة سياسية محددة، إذ لا تتوافر حتى الآن أدلة علنية كافية للقول إن فريقاً بعينه يعمل لمنع وصوله، بقدر ما تتصل بطبيعة الرجل ومسيرته، وبمعادلة تاريخية تجعل موقع مفتي الجمهورية أبعد بكثير من كونه منصباً دينياً فحسب.

من هو أمين الكردي؟

وُلد الشيخ أمين سليم الكردي في بيروت عام 1971، وتخرّج من مدارس جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية، ثم من كلية الشريعة الإسلامية التابعة لجامعة بيروت الإسلامية.

حفظ القرآن الكريم في سن التاسعة عشرة، وقرأ على علماء في بيروت ودمشق والمدينة المنورة ومكة المكرمة والعراق، كما تلقّى علوم الحديث والفقه، ودرّس الفقه الشافعي والأصول والقرآن الكريم في جامعة بيروت الإسلامية لأكثر من 12 عاماً، إضافة إلى تدريسه المنطق في أزهر لبنان.

مسيرته داخل دار الفتوى بدأت باكراً. عُيّن إماماً للجامع العمري الكبير منذ عام 1995، وشغل عضوية المجلس الإداري للأوقاف، وتولى مسؤولية شؤون الطلاب في جامعة بيروت الإسلامية، ثم أصبح أميناً لسر المعهد العالي للقضاء الشرعي عام 1999، قبل أن يتولى إدارة الشؤون الدينية في دار الفتوى منذ عام 2001.

أما المحطة الأبرز فكانت في حزيران 2009، عندما وافق مجلس الوزراء، في آخر جلسة لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة وبناءً على اقتراح المفتي محمد رشيد قباني، على تعيينه أميناً للفتوى في بيروت، قبل صدور المرسوم الجمهوري رقم 2400 في 20 حزيران من العام نفسه.

وهو اليوم أمين الفتوى في الجمهورية اللبنانية وإمام مسجد محمد الأمين في وسط بيروت.

ابن المؤسسة لا مرشح من خارجها

هذه السيرة تمنح الكردي نقطة قوة أساسية: معرفته الدقيقة بدار الفتوى من الداخل. فهو يعرف الإدارة والأوقاف والتعليم الشرعي والقضاء الديني والمجلس الشرعي وآليات العمل داخل المؤسسة، وعاصر مراحل مختلفة في عهدَي المفتي محمد رشيد قباني والمفتي عبد اللطيف دريان. هذا يعني أن وصوله، إذا ترشح مستقبلاً لمنصب المفتي، لن يكون وصول شخصية تحتاج إلى اكتشاف ملفات الدار بعد انتخابها. وهنا قد تكمن إحدى نقاط حساسية اسمه بالنسبة إلى مراكز النفوذ التقليدية.

فالشخص القادم من قلب المؤسسة يعرف أين توجد نقاط القوة والضعف، وكيف تُدار الملفات، وما الذي يحتاج إلى إصلاح، ومن يملك النفوذ الفعلي داخل الإدارات المختلفة.

المشكلة في الاستقلالية؟

منصب مفتي الجمهورية في لبنان ليس منصباً دينياً معزولاً عن السياسة. فدار الفتوى هي المرجعية الدينية السنية الأولى، ومفتي الجمهورية يرأس المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، فيما تشكل ملفات الأوقاف والمؤسسات الدينية والتعليمية والاجتماعية مساحة واسعة من الحضور والنفوذ داخل المجتمع السني. من هنا كانت العلاقة بين المرجعية الدينية والقيادات السياسية السنية شديدة الحساسية تاريخياً.

والكردي، إذا وصل يوماً، لن يصل على الأرجح بصفته شخصية تبحث عن بناء اسم ديني جديد، لأنه يمتلك أصلاً مساراً طويلاً داخل المؤسسة. هذا العامل يمكن أن يمنحه هامش استقلال أكبر من شخصية يكون وصولها مرتبطاً بصورة كاملة براعٍ سياسي.

خطاب "الدولة" لا الزعامة

ثمة عامل آخر يمكن العثور عليه في خطاب الكردي نفسه. ففي أيار 2026، وخلال خطبة عيد الأضحى التي ألقاها بتكليف من المفتي عبد اللطيف دريان في مسجد محمد الأمين، وضع الكردي عنواناً سياسياً واضحاً لمقاربته: "مشروع الدولة".

دعا إلى دولة عادلة وقوية، وإلى العودة إلى المؤسسات والأطر الدستورية والحوار، محذراً من القرارات الفردية ومن استمرار التخوين بين اللبنانيين.

هذا النوع من الخطاب يقدّم تصوراً لدار الفتوى باعتبارها مرجعية مرتبطة بالدولة والمؤسسات أكثر من ارتباطها بزعامة سياسية محددة. وبالنسبة إلى بعض القوى التقليدية، قد تكون المشكلة هنا تحديداً: مرجعية سنية قوية لا تحتاج إلى أن تستمد موقفها السياسي من أحد.

بيروت أيضاً حاضرة

الكردي ابن بيروت، وتكوينه الديني والمؤسساتي ارتبط بالعاصمة منذ البداية: المقاصد، دار الفتوى، الجامع العمري الكبير، جامعة بيروت الإسلامية ومسجد محمد الأمين. هذا البعد ليس تفصيلاً في أي استحقاق يتعلق بمفتي الجمهورية.

فالتحولات التي شهدتها الساحة السنية خلال السنوات الماضية، وتراجع مركزية الزعامة الواحدة، خلقت فراغاً سياسياً ومعنوياً دفع دار الفتوى إلى لعب دور أكبر في جمع المكونات السنية. لذلك فإن وصول مفتٍ يتمتع بحضور بيروتي وديني مستقل قد ينتج مركز ثقل جديداً داخل الطائفة، خصوصاً إذا نجح في بناء علاقة مباشرة مع الناس والعلماء والمؤسسات بعيداً عن الاصطفافات الحزبية.

القضية إذاً أكبر من اسم أمين الكردي. والسؤال الحقيقي هو: أي مفتٍ تريده الطبقة السياسية في المرحلة المقبلة؟ مفتياً يدير المؤسسة ويحافظ على التوازنات القائمة؟ أم مفتياً يفتح ملفاتها ويعيد ترتيبها ويضع مسافة بين دار الفتوى والقيادات السياسية؟

إذا كان الخيار الثاني هو المطروح، فمن الطبيعي أن يشعر أصحاب المصالح والنفوذ بالقلق، أياً تكن أسماؤهم. لكن تحويل هذا القلق إلى اتهام مباشر بأن سياسيين محددين يحاربون الكردي يحتاج إلى أدلة ووقائع لا إلى استنتاجات.

ورقة القوة وورقة الضعف

المفارقة أن أبرز عناصر قوة الكردي قد تكون نفسها عناصر الصعوبة أمامه.

هو ابن المؤسسة، وبالتالي يعرفها جيداً.

وهو صاحب مسيرة دينية طويلة، وبالتالي لا يحتاج إلى منصب المفتي لصناعة هويته الدينية.

كما أن ظهوره المتكرر ممثلاً للمفتي دريان في مناسبات دينية مركزية يعكس موقعه المتقدم داخل دار الفتوى. ففي عيد الفطر عام 2025، على سبيل المثال، كلّفه دريان بإلقاء الخطبة وإمامة المصلين في مسجد محمد الأمين، بحضور شخصيات رسمية وسياسية ودبلوماسية.

لكنّ انتخابات مفتي الجمهورية ليست مسابقة في السيرة العلمية وحدها.

إنها استحقاق تتقاطع عنده حسابات دينية وسياسية ومناطقية، وعلاقات رؤساء الحكومات والقيادات السنية وأعضاء الهيئة الناخبة ومراكز القوى داخل المؤسسة وخارجها.

ومن هنا، فإن امتلاك مرشح حضوراً دينياً قوياً لا يعني أن الطريق السياسية أمامه ستكون سهلة.

معركة أبعد من شخص الكردي

إذا أصبح الشيخ أمين الكردي مرشحاً فعلياً لخلافة المفتي عبد اللطيف دريان، فإن المعركة لن تكون فقط حول شخصه. ستصبح معركة حول هوية دار الفتوى في المرحلة المقبلة.

هل تبقى المرجعية الدينية جزءاً من شبكة التوازنات السياسية السنية التقليدية؟ أم تتحول إلى مركز قرار يمتلك مسافة أكبر عن السياسيين؟ وهل يقبل اللاعبون السياسيون بمفتٍ يعرف المؤسسة وملفاتها من الداخل ولا يحتاج إلى غطاء سياسي ليصنع شرعيته الدينية؟

لهذا قد يكون السؤال الأكثر دقة ليس: لماذا يخاف السياسيون من أمين الكردي؟ بل: ماذا يمكن أن يتغيّر في دار الفتوى وفي المعادلة السنية إذا أصبح أمين الكردي مفتياً للجمهورية؟

الإجابة عن هذا السؤال هي التي قد تفسّر، عندما يحين الاستحقاق، من سيدعم الرجل... ومن سيقف في طريقه.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة