الجمعه 2 تشرين الأول 2026 - 0:01
خاص (أيوب)
لم يكن يوم أمس باليوم العادي في دار الفتوى. فالكثير من الراغبين في التواصل مع المفتي عبد اللطيف دريان فشلوا في ذلك، والجواب واحد: "المفتي ليس على السمع". قرار المستشار المقرر في مجلس شورى الدولة، القاضية رانيا أبو زين، بقبول الطعن المقدّم بقرار المجلس الشرعي بالتمديد للمفتي دريان وباقي المفتين، أربك الجميع، بالرغم من أن الجميع كان ينتظر ويتوقع هكذا قرار.
الكل تجنب التواصل مع الكل، والأسئلة الكثيرة لم تكن لديها أجوبة شافية، تبدأ من سؤال أساسي: ما هو موقف المفتي دريان من القرار؟ وهل سينتظر قرار هيئة القضايا في مجلس الشورى، أم أنه سيتخذ موقفاً يفاجئ القريب قبل البعيد؟
وقد علم "أيوب" أن المفتي دريان بصدد اتخاذ موقف بارز يضع فيه النقاط على الحروف، والموقف سيكون من أجل دار الفتوى وموقعها الإسلامي والوطني.
وتضيف معلومات "أيوب" أن الطعن بالتمديد يشكل نهاية لمغامرة أراد المفتي دريان أن يتجنبها قبل انعقاد تلك الجلسة، إلا أن البعض دفعه إليها، وعلى هذا البعض أن يتحمل مسؤولية ما فعله، لأن مصلحة موقع دار الفتوى هي الأساس.
بعد ثلاث سنوات على جلسة التاسع من أيلول 2023، عادت تفاصيل ما جرى داخل المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى لتفرض نفسها من بوابة مجلس شورى الدولة. فالقرار الذي منح مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان تمديداً لولايته، وأُريد له يومها أن يحسم الجدل حول موقع الإفتاء، أصبح اليوم نفسه موضع مساءلة قضائية، فيما تقترب القضية من محطة حاسمة قد تعيد عقارب دار الفتوى إلى ما قبل قرار التمديد.
تقرير المستشار المقرر، القاضية رانيا أبو زين، جاء ليضع المسار الذي أدى إلى صدور القرار رقم 55 تحت المجهر، وينتهي إلى اقتراح قبول المراجعة وإبطال القرار الصادر عن المجلس الشرعي في 9 أيلول 2023.
بحسب الملف، لم يكن اقتراح تعديل سن نهاية ولاية مفتي الجمهورية مدرجاً على جدول الأعمال المرسل إلى أعضاء المجلس قبل الجلسة، بل طُرح خلال انعقادها، قبل أن يصدر الإعلان عن التمديد. وتظهر الوقائع الواردة في التقرير أن جدول الأعمال كان مؤلفاً من تسعة بنود ولم يتضمن مسألة تعديل سن نهاية ولاية المفتي.
النصاب تحت المجهر
لم تتوقف الاعتراضات عند طريقة إدراج بند التمديد، بل طالت النصاب القانوني للجلسة. إذ استند الطاعنون إلى أن تعديل المرسوم الاشتراعي رقم 18 يستوجب حضور ثلاثة أرباع أعضاء المجلس، أي 29 عضواً على الأقل، بينما حضر، وفق المراجعة، مفتي الجمهورية و25 عضواً فقط.
كما تناول الطعن المسار الذي سلكه التعديل داخل اللجنة التشريعية، إذ اعتبر المستدعون أن الأصول تقتضي إبلاغ أعضاء اللجنة بالمشروع وأسبابه الموجبة، ومناقشته والتصويت عليه في جلسة خاصة، قبل رفعه إلى الهيئة العامة، وهي إجراءات قالوا إنها لم تُحترم في ملف التمديد.
المحطة الأبرز في القضية جاءت في كانون الثاني 2026، عندما أصدر المستشار المقرر قراراً إعدادياً طلب بموجبه من الدولة والمجلس الشرعي إيداع الملف الإداري المتعلق بالتمديد.
شمل الطلب كامل محضر جلسة 9 أيلول 2023 كما نُظم ووُقع في تاريخ انعقادها، مع أسماء الحاضرين والمتغيبين، إضافة إلى محضر اللجنة التشريعية وقرارها ومشروع التعديل وأسبابه الموجبة والسجل الرسمي لقرارات اللجنة خلال عام 2023.
تكتسب هذه المسألة أهمية كبيرة، لأن هذه المستندات تشكل المادة الأساسية لإثبات كيفية اتخاذ القرار ومدى احترام الإجراءات والنصاب المطلوبين. وانتهى التقرير إلى ترتيب أثر قانوني على عدم إيداع الملف الإداري المطلوب، في معرض بحثه في المخالفات المدلى بها.
معركة الصلاحية
في المقابل، خاض المجلس الشرعي معركة قانونية لإخراج الملف من صلاحية مجلس شورى الدولة، معتبراً أن تعديلاته للمرسوم الاشتراعي رقم 18 تتمتع بطبيعة تشريعية، وأن الطعن بها لا يدخل ضمن اختصاص القضاء الإداري. واستند في ذلك إلى استقلال الطائفة السنية في إدارة شؤونها وإلى سوابق وقرارات سابقة.
لكن المستشار المقرر اقترح رد الدفع بعدم الصلاحية، ثم قبول المراجعة وإبطال القرار رقم 55. هنا تحديداً تتجاوز القضية شخص المفتي دريان. فإذا تبنى مجلس القضايا هذه النتيجة، فإن القرار سيشكل محطة مهمة في تحديد الحدود الفاصلة بين استقلال المجلس الشرعي في إدارة شؤون الطائفة وبين ضرورة احترام الأصول القانونية والنظام العام عند ممارسة صلاحياته.
التقرير ليس حكماً نهائياً بعد، ولذلك يبقى القرار رقم 55 قائماً إلى حين صدور الكلمة القضائية الحاسمة. لكن النتيجة التي توصل إليها المستشار المقرر جعلت ملف التمديد أمام مرحلة مختلفة كلياً.
فإذا صدر الحكم بإبطال القرار، ستنتقل الأزمة فوراً من سؤال شرعية التمديد إلى سؤال: من يتولى إدارة المرحلة التالية، وكيف يجري الانتقال نحو انتخاب مفتٍ جديد وفق النصوص النافذة؟ وعندها لن يكون ما سقط مجرد تمديد لشخص، بل مسار كامل بدأ في جلسة أيلول 2023 وانتهى بعد ثلاثة أعوام أمام مجلس شورى الدولة.
بانتظار القرار النهائي، بات واضحاً أن ملف دار الفتوى دخل مرحلة العد العكسي، وأن الكلمة التي ستصدر عن مجلس القضايا لن تحدد فقط مصير التمديد، بل قد ترسم أيضاً الطريق القانوني لمرحلة ما بعد دريان.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



