الأربعاء 30 أيلول 2026 - 0:00
كتب (أيوب)
كلما اعتقد البعض أنهم قادرون على إخراجه من السراي الحكومي الكبير، يؤكد من دون أن يتكلم ومن دون تخطيط، أنه رجل المرحلة، وأنه القادر على الجلوس هناك، في ذاك القصر العثماني، فيما يقف الطامحون عند أبوابه يعدّون النوافذ ويتخيّلون أيّها سيطلّون منها ذات يوم قريب.
أثبت نواف سلام أنه رجل المرحلة، من دون تدبير أو تقدير مسبق، يعرف كيف يحدّد جدول تحركاته، ويعرف عمَّ يتحدث، ويدرك تماماً ماذا يريد. لا تختلط عليه الأمور في ترسيخ مفهوم الدولة وسيادتها، وأنها وحدها الخلاص لكل الطوائف ولكافة المواطنين.
نواف سلام في نيويورك قلب الطاولة على كل الحالمين بإخراجه من السراي الحكومي الكبير. أفهمهم باللغة العربية الفصحى، كما بالعامية البيروتية، أن أحلامهم لا مكان لها في هذا الزمن العصيب. فليتدبروا شؤونهم بعيداً عن أبواب السراي الحكومي، وإن كان النشاط الحكومي يزعجهم، فعليهم بالسفر والرحيل، وعليهم بالابتعاد قليلاً عن الشؤون اللبنانية، فالمواقف المطلوبة ليست لديهم القدرة على اتخاذها، مهما حاولوا الإيحاء بأن لديهم صداقات كثيفة، تبدأ من أصغر مواطن وتصل إلى أكبر مواطن، وفقاً للتصانيف.
السراي ليست غرفة في فندق
المشكلة أن البعض لا يزال يتعامل مع السراي كأنه غرفة فندق: يحجزها صديق لصديق، ثم يأتي حامل الحقائب ليعلن أن الغرفة أصبحت جاهزة. لكن السراي ليست كذلك، ومفاتيحها لا توزّع في الصالونات، ولا تصل بالبريد المستعجل، ولا تُهدى في أعياد الميلاد. ومن ينتظر أمام الباب معتقداً أن النزيل الحالي سيحزم حقائبه قريباً، قد يطول انتظاره، وربما يحتاج إلى كرسي وقهوة وترمس كامل أيضاً.
نواف سلام في نيويورك بالأمس، وعندما التقى روبيو ثم في البنك الدولي، كان رجل دولة يجيد السير بين النقاط، ووضع خطوطاً تحت أبرز المفردات، وقادراً على أن يُفهم الجميع أن مقام رئاسة الحكومة هو مقام كبير.
لا يمكن أن يشغله زحام البعض، كما لا يمكن أن يكون هدية من صديق إلى صديق. هو مقام لا يشبه إلا الكبار الذين مروا عليه، كرياض الصلح وصائب سلام ورفيق الحريري فقيدنا الكبير.
نواف سلام يتصرف برؤية رجل الدولة الذي لا يكلّ ولا يملّ، ولا يمكن أن ينتقص منه بعض الطارئين. هو الحريف في السياسة والتكتيك، أو ربما "التكتكات"، عندما يريد البعض أن "يتكتك" عليه، تارة من بوابة الأزمة المعيشية، وكأن نواف هو من يمنع عن الفقير الرغيف، وتارة من بوابة الوفاق والحوار، وكأنهم خلال أزمانهم الراحلة، من دون أسف، اجتازوا سور الصين، وتارة بالقول إن الناس تطالب بالتغيير، وكأنهم خرجوا اليوم من الوكالة ولم تختبرهم الناس في كل الأزمات التي مرت، خلال السلام وخلال الحروب وخلال أيام التعتير.
المضحك أن بعض الطامحين يتصرفون وكأن موعد التسليم والتسلّم بات غداً صباحاً، وأن ما ينقصهم فقط هو اختيار ربطة العنق المناسبة للصورة الرسمية. يوزعون المقاعد، ويختارون المستشارين، ويرسمون طريق الموكب إلى السراي، فيما صاحب المقعد لا يزال يعمل ويجتمع ويتحرك، ولا يبدو أنه سمع أصلاً بموعد الرحيل الذي حددوه له.
"دقّي يا مزيكا"
حرّيف هو نواف سلام، قادر على إغاظتهم كل دقيقة وعند الترويقة، وقادر في النهاية على أن يقول لهم ساخراً: "دقّي يا مزيكا"، فلقب دولة الرئيس مرسوم له لسنوات وسنوات. هذا ما يجب أن يدركه كل طامح في السراي، طويلاً كان أم قصيراً.
أما المستعجلون، فليخففوا السرعة قليلاً، فطريق السراي مزدحم، والإشارة لا تزال حمراء، والشرطي عند المفترق لم يرفع يده بعد. والأفضل ألا يحرقوا البنزين وهم واقفون في المكان نفسه، لأن صاحب السراي، على ما يبدو، لا يزال لديه الكثير من المواعيد... والكثير من الوقت الجميل.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



