خاص أيوب


هل يقع رئيس الحكومة في فخ الممددين؟(3/3)

الاثنين 28 أيلول 2026 - 0:00

كتب (أيوب)

مخطئ من يظن أن رئيس الحكومة نواف سلام، كرمى لعيون البعض، سيوقّع على قرار مخالف للقوانين. فهو القاضي القادم من قوس العدالة الدولية، وما عُرف عنه يوماً أنه يسمح بالتواطؤ على القانون أو أن يكون شريكاً للمتواطئين.

منذ اللحظة الأولى لدخوله السراي الكبير، وتكدّر البعض من هذا الدخول بعدما وعدوا أنفسهم بأنهم إلى السراي راجعون، أكد الرئيس نواف سلام أنه ملتزم بالنص والقانون، وأنه رجل دولة جاء ليعلن انتهاء عصر صناعة الأفلام السياسية وتركيب "الطرابيش".

لن يسمح الرئيس نواف سلام لترّهات البعض في مسعاهم للقفز فوق قرار مجلس شورى الدولة بقبول الطعن بقرار المجلس الشرعي في التمديد لمفتي الجمهورية ومعه سائر المفتين، لأنه يدرك أنه عندما قال لرؤساء الحكومات السابقين إنه مع الحفاظ على مقام دار الفتوى، لكنه لا يتدخل في القضاء ولا يخالف القوانين، لم يكن موقفه عابراً أو طارئاً، بل موقف رجل دولة في مواجهة الأزمات واتخاذ القرارات المصيرية، سواء على مستوى الوطن أو المسلمين.

موقفه اليوم لن يكون إلا الالتزام بالقوانين، بما يعني أن قرار مجلس شورى الدولة بقبول الطعن يفتح الباب أمام تولّي أمين الفتوى مهام المفتي، وفقاً للنص والعرف ومنطق تفسير القوانين، وأن معالجة هذا الفراغ لا تكون بالقفز فوق القانون، بل بالذهاب سريعاً إلى تنظيم الانتخابات لاختيار مفتٍ للجمهورية من بين الأسماء المرشحة. ولا عيب في إجراء الانتخابات والالتزام بنتيجتها ومبايعة الفائز بها ليكون على رأس الإفتاء ورعاية المؤمنين.

إلى الرئيس سلام

هناك من يسعى إلى الإيقاع بالرئيس نواف سلام بـ"اللوفكة" واختراع السيناريوهات لسرقة توقيعه، مع العلم أنه، إن نجحوا في ذلك، سيكون الرئيس سلام أكبر الخاسرين، لأن من يقف خلفهم هو "أبو عمر جديد"، همّه الأول إخراج الرئيس سلام من السراي الكبير، ويعتقد أن القبض على دار الفتوى يحقق أحلامه، صغيرها وكبيرها، حتى يوم الدين.

دولة الرئيس نواف سلام، كن كما عهدناك وكما تعاهدنا سوياً، أكبر من مكائدهم وإرهاصاتهم، وابتسم في وجوههم ابتسامتك المعهودة، وقل لمن على يمينك أن يضع اقتراحهم في الدرج كما فعلت بذاك الاقتراح القديم. قل لهم: ليس في عهد نواف سلام يتم تجاوز القانون والدوس على نصوصه.

سيناريوهات كثيرة، يا دولة الرئيس، نسجوها في غيابك وأنت تواجه العالم وتحاوره في نيويورك من أجل جنوبنا الجريح. وسنروي لك تلك السيناريوهات واحداً واحداً، ففي ذلك تذكرة، والذكرى تنفع المؤمنين. وكلها تلتقي عند هدف واحد: منع تولّي أمين الفتوى الحالي مهام مفتي الجمهورية.

السيناريو الأول

"لوفكة" على نص المادة 6 المعدلة عام 1996 من المرسوم الاشتراعي رقم 18 لعام 1955، بما يتيح إيصال أحد المرشحين المقربين من جهات سياسية، مع أنه يقارب الحد الأقصى لسن المفتي، البالغ 72 سنة.

وتنص المادة على أن يُنتخب مفتي الجمهورية لولاية تنتهي ببلوغه سن الثانية والسبعين، على ألا تقل في مطلق الأحوال عن خمس سنوات. وبناء عليه، رأى هؤلاء أنه يمكن انتخاب مفتٍ بلغ سن 71 عاماً مثلاً، ثم تستمر ولايته أربع سنوات أخرى.

هذه "اللوفكة" تفرّغ المادة 6 المعدلة من مضمونها، وتجعل الولاية الفعلية للمفتي ممتدة إلى سن 76 عاماً، فيما لم يكن هذا مراد المشرّع أساساً، بل وضع حداً زمنياً لولايته ينتهي في سن 72. أما التفسير الآخر للمادة، فهو أن يكون المرشح للإفتاء أصغر بخمس سنوات على الأقل من السن القصوى، بحيث يستطيع ممارسة صلاحياته خمس سنوات كاملة.

السيناريو الثاني

السيناريو الثاني لا يقل غرابة، إذ يعتبر أن أمين الفتوى لا يقوم مقام المفتي لدى تعذر انتخابه، محاولاً رفع شأن أمين السر الخاص، باعتبار أن صلاحيات أمين الفتوى دينية بحتة، فيما صلاحيات أمين السر الخاص إدارية الطابع.

لكن بالعودة إلى شروط مفتي الجمهورية بحسب المادة 5 من المرسوم 18، يتبين أنه يجب أن يكون من علماء الدين الإسلامي السُنّة اللبنانيين، من ذوي السيرة الحميدة والصلاح، والحائزين على شهادة دينية عالية، أو ممن مارسوا وظيفة القضاء الشرعي مدة لا تقل عن خمس عشرة سنة، على أن يكون قد أتم الأربعين من عمره.

أما المادة 16، فتشترط في أمين الفتوى أن يكون من العلماء المتفقهين في أحكام الشرع والدين أو حائزاً على شهادة شرعية عالية، فيما يُشترط في كل من أمين السر الخاص والأمين العام للمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى أن يكون من ذوي الثقافة العامة الحائزين على شهادة جامعية.

بذلك، يتبين أن مواصفات أمين الفتوى هي الأقرب إلى مواصفات المرشح لتولي منصب مفتي الجمهورية، بخلاف القائمين بالمناصب الأخرى. وللتذكير، فإنّ المؤسسة المعنية بالقضية اسمها "دار الفتوى"، وليس "شركة الفتوى".

السيناريو الثالث

السيناريو الثالث كان آخر الإرهاصات في الساعات القليلة الماضية، ويتجسد في طرح اقتراح لانتخاب أو تعيين قائم مقام للمفتي، بدلاً من تولي أمين الفتوى الحالي هذه المهمة. يقوم هذا الاقتراح على اجتماع المجلس الشرعي بنصاب يصل إلى ثلاثة أرباع الأعضاء لاختيار قائم مقام للمفتي، بهدف قطع الطريق على حلول أمين الفتوى محل المفتي إلى حين عقد جلسة انتخاب مفتٍ جديد.

لكن لماذا نصاب الثلاثة أرباع؟ ولماذا السعي إلى اختيار قائم مقام بدلاً من انتخاب المفتي من الهيئة العامة؟

في المادة 6، قبل تعديلها عام 1996، كان مفتي الجمهورية يُنتخب لمدى الحياة، ولا يُعفى من منصبه إلا لدواعٍ صحية تمنعه من حسن القيام بمهامه أو لأسباب خطيرة. وكان قرار الإعفاء يصدر عن مجلس الانتخاب الإسلامي بدعوة من المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، في حال عدم اعتزال المنصب طوعاً، وذلك بأكثرية ثلاثة أرباع الأعضاء على الأقل.

وعليه، فإن الاستناد إلى نصاب الثلاثة أرباع المخصص أصلاً لعزل المفتي، وفق النص القديم، من أجل تعيين أو انتخاب قائم مقام، يشكل تأويلاً مختلفاً للنص بهدف قطع الطريق على أمين الفتوى الحالي.

إن أمين الفتوى يُعيّنه المفتي ولا يُنتخب، وقائم مقام المفتي، وفق هذا التفسير، هو أمين الفتوى العامل، وإن كان النص لم يذكر صراحة حالة انتهاء ولاية المفتي وتعذر انتخاب مفتٍ آخر. فإذا كان أمين الفتوى هو من يتولى مهام المفتي بتفويض منه في الحالات الثلاث المذكورة في المادة 17، فمن باب أولى، وفق هذا الرأي، أن يتولى مهامه مؤقتاً إلى حين انتخاب مفتٍ جديد.

يبقى الشروع فوراً في عملية انتخاب مفتي الجمهورية الجديد هو الطريق الأقصر لحسم كل هذه الاجتهادات.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة