الثلاثاء 25 آب 2026 - 0:00
خاص (أيوب)
في اجتماع هو الأول من نوعه، ولم يسبق أن حصل مثله منذ انتخاب الشيخ عبد اللطيف دريان مفتياً للجمهورية اللبنانية، احتشد سياسيون ومسؤولون رسميون وغير رسميين، مدنيون ورجال دين، بناءً على دعوة المديرية العامة للأوقاف الإسلامية، في قاعة مسجد محمد الأمين وسط بيروت، للاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف.
اللافت في الاجتماع أنها المرة الأولى التي رافق فيها رئيس الحكومة نواف سلام المفتي دريان في الحضور إلى مسجد محمد الأمين، بعدما تعذّر ذلك في كافة المناسبات، وتحديداً في صلاتَي عيد الأضحى والفطر. وكان الرئيس نواف سلام يشدد على التواصل مع سماحة المفتي بشأن حضور صلاة العيد، وهو أمر كان يتعذر حصوله مع سفر المفتي إلى الخارج طوال السنوات الفائتة في العيدين، وتأكيده للرئيس نواف سلام أنّ رئيس الحكومة، عرفاً، لا يمكنه أن يحضر صلاة العيد في غياب المفتي.
المفتي دريان، وفي الكلمة التي ألقاها انطلق من المعاني الروحية للمولد النبوي الشريف وسيرة النبي محمد، مستحضراً ما حملته الرسالة من قيم الرحمة والعدل ومكارم الأخلاق، قبل أن ينتقل إلى الواقع السياسي والأمني الذي تعيشه المنطقة.
وأشار دريان إلى حجم التحديات التي تواجه الأمة، واضعاً في مقدمتها حرب الإبادة في غزة والحرب المشتعلة في لبنان وما ينتج عنها من سقوط للشهداء بصورة يومية.
وبدا واضحاً أن المفتي أراد ربط القيم التي تحملها المناسبة بالواقع الراهن، ولا سيما الحاجة إلى وقف الحروب وحماية الإنسان والبحث عن السلام في منطقة أنهكتها المواجهات.
أما لبنانياً، فكان موقف دريان واضحاً في إعلان دعم دار الفتوى للعهد الجديد وللحكومة برئاسة نواف سلام.
وأكد وقوف الدار إلى جانب المساعي الجادة لوقف العدوان الإسرائيلي وتحرير الأرض وفرض سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، في موقف يضع دار الفتوى إلى جانب مشروع تعزيز حضور المؤسسات الرسمية ومرجعية الدولة.
ولم يحصر المفتي دعمه بالملف الأمني والسيادي، بل شمل أيضاً الجهود المبذولة لإخراج البلاد من المأساة الاقتصادية والمعيشية، وإعادة ترتيب علاقات لبنان الخارجية.
وفي هذا السياق، توقف عند أهمية توطيد العلاقات مع سوريا والمملكة العربية السعودية، إلى جانب مواكبة التحالفات الدفاعية الإقليمية الجديدة مع تركيا وباكستان، في إشارة إلى التحولات التي تشهدها المنطقة وضرورة ألا يبقى لبنان بعيداً عنها.
كان لافتاً استخدام دريان تعبير "شجاعة السلم:، في معرض حديثه عن المسار الذي يعتمده الحكم اللبناني لمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية.
فالمفتي اعتبر أن السعي إلى وقف الاعتداءات والتدمير الهائل يمثل خياراً شجاعاً وحكيماً، خصوصاً بعد سنوات عجاف من الحروب والدمار.
ويحمل هذا الموقف دلالة تتجاوز الدعوة التقليدية إلى السلام، إذ يضع خيار وقف الحرب واستعادة الاستقرار في مرتبة القرار الشجاع، في مقابل منطق استمرار المواجهة المفتوحة وما يترتب عليها من أثمان بشرية واقتصادية.
دريان يرفع سقف حماية رئاسة الحكومة
أما الرسالة السياسية الداخلية الأبرز، فتمثلت في موقف دريان من رئاسة الحكومة.
ففي حضور نواف سلام وأربعة من أسلافه، رفض مفتي الجمهورية بحزم أي استهداف لرئاسة الحكومة، معتبراً أن استهدافها لا يطاول موقعاً سنياً فحسب، بل يشكل استهدافاً للوطن بأسره ولجميع الطوائف.
وفي المقابل، شدّد على أهمية التكامل والتضامن بين الرئاسات الثلاث، واضعاً هذا التعاون في موقع الضمانة لوحدة لبنان.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية إضافية لصدورها من دار الفتوى وفي مناسبة جمعت عدداً كبيراً من رؤساء الحكومات، ما جعلها أقرب إلى تأكيد التمسك بموقع رئاسة الحكومة ودورها الدستوري، بالتوازي مع رفض تحويل العلاقة بين المؤسسات الدستورية إلى ساحة للصراع السياسي.
العفو العام والمرفأ في كلمة المفتي
لم تغب الملفات الداخلية الحساسة عن كلمة دريان، إذ تطرق إلى إقرار قانون العفو العام، كما تناول ملف انفجار مرفأ بيروت.
وأعرب عن التطلع إلى إيجاد مسارات عادلة ومنصفة في قضية المرفأ، بما يحقق العدالة ويعيد السكينة إلى قلوب المتضررين، في موقف يجمع بين ضرورة معالجة الملفات القضائية والاجتماعية وبين الحفاظ على حقوق الضحايا والمتضررين.
في الشأن الداخلي للطائفة السنية، رسم دريان حدوداً واضحة لدور دار الفتوى، مؤكداً استقلاليتها واستقلالية المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



