السبت 22 آب 2026 - 0:00
كتب (أيوب)
يتساءل سنّة لبنان، في مرحلة تبدو فيها طائفتهم أمام تحديات سياسية ووطنية غير مسبوقة: أيُّ مفتٍ يريدون للجمهورية؟ هل يريدون مفتياً يشبه الشهيد الشيخ حسن خالد في جرأته وحضوره الوطني؟ أم مفتياً على صورة الشيخ محمد توفيق خالد، باني دار الفتوى ومطلق منطق المؤسسة؟ أم أنهم يبحثون عن شيء من الشيخ مصطفى نجا، مفتي بيروت الذي وقف في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ لبنان، مشاركاً في إعلان دولة لبنان الكبير؟
قد لا يكون المطلوب الاختيار بين ثلاثة رجال بقدر ما هو البحث عن الصفات التي مثّلوها، وجمعها في شخصية المفتي الذي يحتاج إليه سنّة لبنان اليوم.
فالمفتي ليس إمام مسجد كبيراً، ولا موظفاً دينياً رفيعاً، ولا مجرد رئيس للمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى. إنه، وفق تاريخ دار الفتوى، مرجعية دينية ووطنية يفترض أن تقف عند المنعطفات الكبرى، وأن تقول كلمتها عندما تتردد السياسة، وأن تحمي المؤسسة عندما تحاول القوى السياسية تحويلها إلى جزء من حساباتها.
البداية مع الشيخ مصطفى نجا تحمل دلالة خاصة. فقد تولّى إفتاء بيروت منذ عام 1909، وعُرف، وفق السيرة التي تنشرها دار الفتوى، بالزهد ورفض تحقيق المكاسب الشخصية والعائلية من موقعه. وعندما أُعلن قيام دولة لبنان الكبير في الأول من أيلول 1920، كان مفتي بيروت حاضراً في قصر الصنوبر إلى جانب البطريرك إلياس الحويك والجنرال هنري غورو.
من مصطفى نجا، ربما يريد سنّة لبنان اليوم المفتي الذي لا يخاف من الوقوف في لحظة تأسيس الدولة، ولا يرى تناقضاً بين موقعه الإسلامي وانتمائه الوطني. يريدون مفتياً يعرف أن حماية المسلمين لا تكون بعزلهم عن شركائهم، وأن قوة السنّة في لبنان ارتبطت تاريخياً بقوة الدولة لا بانهيارها.
ثم جاء محمد توفيق خالد، وهنا انتقل الإفتاء من منطق الشخصية إلى منطق المؤسسة.
انتُخب مفتياً لبيروت عام 1932، ثم أصبح أول من حمل لقب مفتي الجمهورية اللبنانية. وفي عهده بدأ بناء المقر الذي يُعرف اليوم بدار الفتوى، كما أسس الكلية الشرعية التي أصبحت لاحقاً "أزهر لبنان"، وعمل على تنظيم الشؤون الدينية والوقفية.
وهذه ربما إحدى أكثر المواصفات التي يحتاج إليها المفتي المقبل: أن يكون رجل مؤسسة لا رجل حاشية.
فدار الفتوى ليست مكتب المفتي، والمجلس الشرعي ليس مجموعة أشخاص يوافقون على ما يريده، والأوقاف ليست ملكاً لأحد. المفتي الذي يحتاج إليه السنّة هو من يقوّي المؤسسات بحيث تبقى بعده، لا من يقوّي الأشخاص المحيطين به بحيث يسقط حضورهم بمجرد خروجه.
محمد توفيق خالد بنى. وهذه الكلمة وحدها تختصر الكثير.بنى داراً، وأسهم في بناء مؤسسة تعليمية، ورسّخ موقعاً للإفتاء يتجاوز حدود بيروت. وبالتالي، عندما يسأل السنّة اليوم عن مفتيهم، من حقهم أن يسألوا أيضاً: ماذا سيبني؟ ما المشروع الذي سيتركه؟ كيف سيطور أوقاف المسلمين؟ ماذا سيفعل بالتعليم الديني؟ وكيف سيعيد إلى دار الفتوى دورها الاجتماعي والفكري والوطني؟
أما حسن خالد، فالقصة مختلفة.تولى الإفتاء عام 1966 وبقي في موقعه حتى اغتياله عام 1989. مرّت على لبنان خلال عهده سنوات الحرب والانقسامات والاجتياحات، فتحوّل المفتي إلى شخصية تتجاوز إدارة الشأن الديني نحو الحضور في قلب القضايا الوطنية. وتظهر سيرته الرسمية أنه ترأس "اللقاء الإسلامي" الذي كان يجمع رؤساء الحكومات والوزراء والنواب المسلمين، كما ترك مواقف وبيانات تناولت المشكلات الإسلامية والوطنية خلال الحرب.
من حسن خالد يريد السنّة الشجاعة.يريدون مفتياً يستطيع أن يقول "لا" عندما تصبح الـ"لا" مكلفة، وأن يقول "نعم" عندما تكون مصلحة لبنان والطائفة في موقف قد لا يرضي الزعماء.
لا يريدون مفتياً يرفع صوته على الضعفاء ويخفضه أمام الأقوياء.
ولا يريدون مفتياً ينتظر معرفة موقف هذا الرئيس أو ذاك الزعيم قبل أن يحدد موقف دار الفتوى.
ولا مفتياً يدخل في المنافسة السياسية اليومية فيتحول من مرجعية للجميع إلى طرف بين الأطراف.
المفتي المطلوب ليس رئيس حزب سنّي جديداً، لأن أزمة السنّة لا تُحل بتحويل دار الفتوى إلى حزب. وليس المطلوب أن يحل المفتي مكان النواب والوزراء ورؤساء الحكومات. المطلوب أن تبقى هناك، عندما يختلف هؤلاء جميعاً، مرجعية لا تُحسب بالكامل على أحد منهم.
لذلك قد تكون الإجابة عن السؤال: أي مفتي يريد سنّة لبنان؟ بسيطة وصعبة في الوقت نفسه.
يريدون شيئاً من مصطفى نجا، وشيئاً من محمد توفيق خالد، وشيئاً من حسن خالد.
من الأول، النزاهة والاستقلال والانتماء إلى فكرة لبنان.
ومن الثاني، عقل المؤسسة وقدرة البناء.
ومن الثالث، الجرأة والحضور الوطني وعدم الهروب في زمن الأزمات.
يريد سنّة لبنان مفتياً لا تصنعه التسويات السياسية فيصبح أسيرها، ولا تأتي به الزعامات ليصبح مديناً لها، ولا يعتبر دار الفتوى إرثاً شخصياً.
يريدون مفتياً يستطيع أن يجلس مع الجميع من دون أن يكون تابعاً لأحد، وأن يحفظ علاقة السنّة بمحيطهم العربي من دون أن يجعل قرار دار الفتوى مستورداً من الخارج، وأن يدافع عن حقوق طائفته من دون أن يحوّلها إلى طائفة خائفة من بقية اللبنانيين.
فالعمامة التي حملها مصطفى نجا ومحمد توفيق خالد وحسن خالد لم تكن مجرد منصب.كانت، في ثلاث مراحل مختلفة، مسؤولية أمام الطائفة والدولة والتاريخ.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: من سيكون المفتي؟بل: هل سيكون بحجم دار الفتوى التي سيرثها، وبحجم الرجال الذين سبقوه إليها؟
اللبنانيون يريدون "المفدي" كما يطلق عليه "أهل بيروت.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



