خاص أيوب


ماذا حصل بين محمد توفيق خالد ورياض الصلح؟ (2)

الخميس 20 آب 2026 - 0:03

خاص (أيوب)

بقيت مشكلة أساسية. هناك مفتٍ للجمهورية، وهناك مجلس شرعي، لكن المرجعية تحتاج إلى مقر. هنا انتقل محمد توفيق خالد إلى الخطوة التي ستجعل اسمه مرتبطاً فعلياً بولادة دار الفتوى الحالية.

في سنة 1948 بدأ بناء مقر للإفتاء في منطقة عائشة بكار.

وتجمع عدة مصادر على أن التمويل الأساسي جاء من رئيس الحكومة رياض الصلح.

وتورد المصادر رقماً بالغ الدقة: 222 ألفاً و516 ليرة لبنانية و80 قرشاً. وهو المبلغ الذي قيل إنه مثّل مجموع كلفة البناء الذي أُعد ليصبح داراً للإفتاء. استمر العمل نحو سنتين.

في سنة 1950 اكتمل المبنى وأصبح صالحاً ليكون مقراً رسمياً للإفتاء، وانتقل محمد توفيق خالد إليه واتخذ إحدى غرف الطابق الأرضي مكتباً له. وهكذا انتقل الإفتاء عملياً من بيت المفتي إلى بيت المؤسسة.

لكن لماذا دفع رياض الصلح؟

الرواية التقليدية تعرض رياض الصلح باعتباره الداعم الذي موّل إنشاء الدار. لكن دراسة صادرة عن Carnegie Endowment for International Peaceتقدم قراءة سياسية أكثر صراحة.

تقول الدراسة إن العلاقة بين السياسيين السنة ودار الفتوى اتسمت تاريخياً بالتأثير المتبادل، وتذكر أن رياض الصلح منح محمد توفيق خالد عام 1943 أموالاً استُخدمت في بناء مجمع دار الفتوى في عائشة بكار، وتضع ذلك في سياق العلاقة والولاء السياسي بين الرجلين.

وهنا تظهر مفارقة زمنية تستحق التوقف عندها.

مصادر لبنانية تؤرخ لبدء البناء سنة 1948، فيما تعيد كارنيغي توفير الأموال إلى 1943. لا يعني ذلك بالضرورة وجود تناقض.

فمن الممكن أن تكون الأموال قد خُصصت أو قُدمت قبل سنوات من بدء التنفيذ. لكن من دون الوصول إلى السجلات المالية الأصلية لا يمكن الجزم بتفاصيل عملية الدفع. هنا تحديداً يجب الفصل بين المعلومة المثبتة وبين القراءة السياسية للمعلومة.

الثابت أن الصلح ارتبط بتمويل إنشاء المقر. أما الدافع السياسي ووصف التمويل بأنه "مكافأة على الولاء"، فهو تفسير تقدمه دراسة كارنيغي، وليس نصاً رسمياً صادراً عن دار الفتوى أو رياض الصلح.

لغز الأرض

يبقى السؤال الذي لا تجيب عنه الروايات المتداولة بصورة كافية: من أين جاءت أرض دار الفتوى؟ من كان مالك العقار الأصلي في عائشة بكار؟ هل اشتُري العقار؟ هل كان وقفاً؟ هل قدمه أحد المتبرعين؟ هل دفع رياض الصلح ثمن الأرض أيضاً، أم اقتصر التمويل على البناء؟ ومن هو صاحب سند الملكية اليوم؟

المصادر المفتوحة التي أمكن التحقق منها توثق بصورة واضحة تمويل البناء وكلفته وتاريخ إنجازه، لكنها لا تقدم وثيقة عقارية أولية تحسم سلسلة ملكية الأرض. لذلك لا يصح صحافياً تحويل أي رواية شفوية عن مالك الأرض أو واهبها إلى حقيقة قبل مراجعة السجل العقاري والوثائق الوقفية. هذا هو أحد أبرز الخيوط التي تبقى مفتوحة في التحقيق.

وفاة المؤسس قبل اكتمال التنظيم

لم يعش محمد توفيق خالد طويلاً بعد انتقاله إلى الدار. توفي سنة 1951.  خلفه في إفتاء الجمهورية الشيخ محمد علايا.

وبقي المجلس الشرعي الذي نشأ في عهد خالد قائماً، مع تعديلات على أعضائه، إلى أن جاءت سنة 1955. وتشير المصادر القانونية التاريخية إلى تعديل أسماء أعضاء المجلس في 19 آب 1951 بعد تولي علايا الإفتاء.

في 13 كانون الثاني عام 1955 صدر المرسوم الاشتراعي رقم 18. هذا المرسوم هو حجر الأساس القانوني للتنظيم الحديث لشؤون المسلمين السنة في لبنان. لكنه، خلافاً لما يُقال أحياناً، لم ينشئ دار الفتوى من العدم.

عند صدوره كان:  مفتي الجمهورية موجوداً منذ 1932. والمجلس الشرعي موجوداً منذ 1932. ومبنى دار الفتوى قائماً منذ 1950.

ما فعله المرسوم 18 هو وضع إطار قانوني أشمل لتنظيم شؤون المسلمين السنة الدينية والوقفية وترتيب صلاحيات المفتي والمجلس والمؤسسات التابعة له. وتصفه المصادر المتخصصة بأنه أول نظام ديني ووقفي متكامل للمسلمين السنة في لبنان.

*غداً في الحلقة الثالثة: من يملك القرار داخل الدار؟ (3)



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة