الأربعاء 19 آب 2026 - 0:01
خاص (أيوب)
حين يُطرح سؤال بسيط: مَن أسّس دار الفتوى في لبنان؟ تبدو الإجابة للوهلة الأولى سهلة. لكن البحث في تاريخ المؤسسة يكشف قصة أكثر تعقيداً.
فدار الفتوى لم تولد في يوم واحد، ولم يؤسسها شخص واحد، ولا يمكن اختصار تاريخها بالمرسوم الاشتراعي رقم 18 الصادر سنة 1955.
خلف المبنى القائم في عائشة بكار مسار بدأ في العهد العثماني، ومرّ بالانتداب الفرنسي، ثم باستقلال لبنان، وصولاً إلى إنشاء مؤسسة تجمع بين السلطة الدينية وإدارة الأوقاف والتمثيل السياسي للطائفة السنية.
والأهم أن الوثائق والمصادر تفتح باباً آخر:إلى أي حد كانت ولادة دار الفتوى مشروعاً دينياً، وإلى أي حد كانت أيضاً جزءاً من بناء النظام السياسي اللبناني؟
قبل الدار... كان المفتي وحده
في العهد العثماني كان في بيروت مفتٍ، لكن لم تكن هناك «دار فتوى» بالمفهوم المؤسساتي الحالي.لم يكن للإفتاء جهاز إداري متكامل أو مبنى مركزي مستقل. وتشير المصادر التاريخية إلى أن المفتي كان يستقبل المراجعين وأصحاب الحاجات في منزله.أي أن المؤسسة كانت مرتبطة إلى حد بعيد بشخص المفتي.وكانت لبيروت سلسلة طويلة من المفتين سبقت قيام لبنان الكبير سنة 1920.
في سنة 1909، تولى الشيخ مصطفى نجا إفتاء بيروت في أواخر العهد العثماني، وبقي في منصبه حتى وفاته في 30 كانون الثاني 1932.لكن وفاته فتحت الباب أمام التحول الأكبر.
شباط 1932... ظهور محمد توفيق خالد
بعد أيام من وفاة مصطفى نجا، انتُخب الشيخ محمد توفيق خالد مفتياً لبيروت في 6 شباط 1932.
لم يبقَ خالد طويلاً مجرد "مفتي بيروت".
فبعد نحو خمسة أشهر، وتحديداً في 9 تموز 1932، أصدر رئيس الجمهورية شارل دباس المرسوم رقم 291.
وجاء في مادته الأولى:"إن مفتي بيروت يلقب من الآن فصاعداً مفتي الجمهورية اللبنانية".
أما المادة الثانية فأعطت مفتي الجمهورية دوراً يتعلق بمهام المفتين السنة في المناطق وبالمرشحين لهذه المواقع.وهنا حدث تحول جوهري.لم يعد المفتي مرجعية بيروتية فقط، بل ظهر للمرة الأولى رسمياً منصب مفتي الجمهورية اللبنانية.
القصة بدأت قبل مرسوم 291
العودة إلى الوثائق التنظيمية تكشف أن المسار كان قد بدأ قبل ذلك.
بعد دستور 1930 والتعديلات التي أجرتها سلطات الانتداب، طُرح نظام جديد لإدارة الأوقاف والشؤون الدينية.اجتمع مفتون من دمشق وبيروت واللاذقية وحلب وطرابلس، إلى جانب قضاة ووجهاء ومسؤولين عن الأوقاف، وخرج مسار تنظيمي عُرف بـالقرار رقم 10 بتاريخ 27 كانون الأول 1930.
ثم صدّق المفوض السامي الفرنسي هذا القرار في كانون الأول 1931.وكان من أبرز ما جاء فيه إدخال مبدأ الانتخاب في تشكيل المجالس والوظائف الدينية، وإنشاء هيئة انتخابية واسعة تضم نواباً وممثلين عن البلديات والمهن والجمعيات والعلماء والقضاة والأوقاف والمفتين.
وهذه المعلومة تغيّر الرواية التقليدية.
فدار الفتوى الحديثة لم تظهر فجأة سنة 1955. جذور بنيتها التنظيمية تعود إلى مرحلة الانتداب وإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والأوقاف والإفتاء.
أول مجلس شرعي... سنة 1932
بعد صدور مرسوم مفتي الجمهورية، حصل تطور آخر شديد الأهمية.ففي أيلول 1932 أُعلن أول مجلس شرعي أعلى في لبنان.ترأسه المفتي محمد توفيق خالد.وكان قاضي قضاة المحاكم الشرعية السنية الشيخ محمد علي أنسي نائباً للرئيس، وضمت العضوية الشيخ مصطفى الغلاييني وصبحي أبو النصر والشيخ أحمد المحمصاني ومحمد فاخوري وعمر الداعوق، بحسب دراسة تاريخية قانونية منشورة عن المجلس.هذا يعني أن المجلس الشرعي سبق المرسوم 18/1955 بأكثر من عشرين عاماً.هي نقطة أساسية لفهم تاريخ المؤسسة.
*غداً في الحلقة الثانية: ماذا حصل بين محمد توفيق خالد ورياض الصلح؟ (2)
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



