خاص أيوب


من يملك القرار داخل الدار؟ (3)

الجمعه 21 آب 2026 - 0:02

خاص (أيوب)

هذه واحدة من أهم المسائل التي أوجدها التنظيم.

المفتي يتمتع بموقع ديني واسع.لكن بجانبه يوجد المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى.

وتنص المادة 38، وفق النص المنقول في الدراسة القانونية للمجلس، على أن المجلس يؤازر مفتي الجمهورية، ويتمتع خصوصاً بسلطة إصدار الأنظمة والقرارات والتعليمات المتعلقة بتنظيم الشؤون الدينية وإدارة الأوقاف الخيرية، إضافة إلى تفسير الأنظمة والمقررات في هذه المجالات.

إذاً دار الفتوى ليست، من الناحية المؤسساتية، المفتي وحده.

هناك توازن بين رأس المؤسسة والمجلس الشرعي وإدارات الأوقاف والأجهزة التابعة للدار.

وهذا التوازن هو الذي جعل أي خلاف لاحق حول صلاحيات المفتي أو المجلس يتحول سريعاً إلى أزمة سياسية وقانونية.

السياسة موجودة داخل التركيبة نفسها

الأكثر إثارة أن العلاقة بالسياسة ليست مجرد تدخل خارجي في المؤسسة.فالسياسيون موجودون أصلاً ضمن أجزاء من بنيتها الانتخابية والمؤسساتية.

في انتخابات المفتي مثلاً، شارك تاريخياً رؤساء الحكومات والوزراء والنواب وشخصيات عامة إلى جانب العلماء والقضاة وممثلي المؤسسات السنية.

تشير دراسة كارنيغي إلى أنه في الهيئة التي انتخبت عبد اللطيف دريان عام 2014 كان السياسيون السنة يشكلون قرابة ثلث الهيئة الناخبة البالغ عددها 109 أعضاء بحسب إحصائها.

أي أن السؤال ليس فقط:ىهل تتدخل السياسة في دار الفتوى؟ بل أيضاً:هل صُممت المؤسسة منذ مراحلها الأولى بحيث تكون نقطة التقاء بين المرجعية الدينية والزعامة السياسية السنية؟

لماذا "دار الفتوى"؟ ومن أسسها؟

أما اسم المؤسسة نفسه، فلا تظهر في المصادر التي راجعناها وثيقة تأسيسية تقول إن شخصاً محدداً اجتمع واختار اسم "دار الفتوى" في تاريخ معين.

المتاح تاريخياً يقود إلى تفسير أبسط.كان هناك مفتٍ.ثم أصبح هناك مقر رسمي للإفتاء.فأصبحت "الدار" التي يمارس منها الإفتاء تعرف بدار الفتوى.ومع الزمن تجاوز الاسم المبنى، وأصبح يعني المؤسسة بكاملها.  يبقى السؤال من أسس الدار رياض الصلح أو محمد توفيق خالد؟

الجواب يتوقف على معنى كلمة "أسس" إذا كان المقصود مؤسسة الإفتاء، فهي أقدم من الرجلين.

وإذا كان المقصود منصب مفتي الجمهورية اللبنانية، فالمحطة المفصلية هي مرسوم 291 سنة 1932 في عهد شارل دباس، وكان محمد توفيق خالد أول من حمل اللقب.

وإذا كان المقصود المجلس الشرعي، فهناك جذور تنظيمية تعود إلى قرار 10 في 1930–1931، ثم أول مجلس شرعي لبناني سنة 1932.

أما إذا كان المقصود مبنى دار الفتوى في عائشة بكار، فمحمد توفيق خالد هو صاحب المبادرة المرتبطة ببنائه، ورياض الصلح هو الممول الأساسي الذي تشير إليه المصادر.

وإذا كان المقصود الإطار القانوني الحديث، فالمحطة هي المرسوم الاشتراعي 18/1955.

إذن لا يوجد "مؤسس واحد". هناك عملية تأسيس امتدت ربع قرن تقريباً.

من الدين إلى السياسة

القصة لا تنتهي عند الخمسينيات.فمع تعاظم النظام الطائفي اللبناني أصبحت دار الفتوى واحدة من المؤسسات الأساسية في التوازن الوطني.

تشير دراسة كارنيغي إلى نمط متكرر من التفاعل بين السياسيين والمفتين: من رياض الصلح ومحمد توفيق خالد، إلى دعم فؤاد شهاب لوصول الشيخ حسن خالد إلى الإفتاء سنة 1966، وصولاً إلى الصراعات السياسية التي شهدتها المؤسسة في عهود لاحقة.

وهكذا أصبحت دار الفتوى تؤدي وظيفتين متداخلتين:مرجعية دينية سنية.ومركز ثقل سياسي ووطني.هذا التداخل هو مصدر قوتها، لكنه كان أيضاً في مراحل مختلفة مصدر أزماتها.

الخيط الذي يحتاج إلى فتح الأرشيف

بعد مراجعة المصادر المتاحة، تبقى مجموعة أسئلة لا يجوز الادعاء بحسمها:

أولاً: ما رقم العقار الذي تقوم عليه دار الفتوى في عائشة بكار؟

ثانياً: من كان مالكه قبل إنشاء الدار؟

ثالثاً: كيف انتقلت الملكية إلى الجهة الحالية؟

رابعاً :هل مبلغ 222,516 ليرة و80 قرشاً يمثل البناء فقط أم يتضمن نفقات أخرى؟

خامساً:أين مستندات رياض الصلح المالية المتعلقة بالمشروع؟

سادساً:هل توجد محاضر للمجلس الشرعي أو سجلات أوقاف توثق قرار إنشاء الدار؟

سابعاً: من اختار عائشة بكار تحديداً، ولماذا؟

هذه الأسئلة أجوبتها في الصحيفة العقارية، وقيود مديرية الأوقاف الإسلامية، ومحاضر المجلس الشرعي القديمة، والجريدة الرسمية، وأرشيف رئاسة مجلس الوزراء، وأوراق رياض الصلح ومحمد توفيق خالد إن كانت متاحة.

هي المرحلة التي تفصل بين البحث التاريخي المفتوح وبين التحقيق الوثائقي الاستقصائي الكامل.

ما تكشفه الوثائق المتاحة هو أن الرواية الشائعة عن "تأسيس دار الفتوى سنة 1955" غير مكتملة.

الحقيقة أكثر تركيباً.الإفتاء سبق الجمهورية.ثم جاء 1932 ليحوّل مفتي بيروت إلى مفتي الجمهورية.في العام نفسه ظهر أول مجلس شرعي أعلى في لبنان.ثم جاءت دولة الاستقلال.ودعم رياض الصلح مشروع محمد توفيق خالد لإنشاء مقر دائم للإفتاء في عائشة بكار.بدأ البناء سنة 1948.واكتمل سنة 1950.ثم جاء المرسوم الاشتراعي 18/1955 ليعيد تنظيم المؤسسة ويمنحها الإطار القانوني الذي سيحكم جانباً أساسياً من عملها لعقود.

لكن وراء هذه الوقائع سؤالاً أكبر:

هل كانت دار الفتوى مشروعاً دينياً احتاج إلى دعم السياسة، أم مشروعاً لبناء مرجعية سنية داخل النظام السياسي اللبناني احتاج إلى الشرعية الدينية؟

المصادر تشير إلى أن الفصل بين الأمرين ليس سهلاً.

فمنذ بداياتها الحديثة، التقى في عائشة بكار المفتي والسياسي والوقف والمجلس الشرعي والدولة.

ولهذا فإن تاريخ دار الفتوى ليس مجرد تاريخ مؤسسة دينية.

إنه جزء من تاريخ كيفية تشكل الزعامة والمرجعية والسلطة داخل الطائفة السنية وفي الجمهورية اللبنانية نفسها.

والحلقة المفقودة حتى الآن تبقى في العقار والأرشيف: من قدّم الأرض؟ ومن كان مالكها؟ وما الذي تقوله مستندات الإنشاء الأصلية؟

عند العثور على هذه الوثائق، يمكن الانتقال من رواية "من بنى دار الفتوى؟" إلى السؤال الأكثر حساسية:

من صنع دار الفتوى التي نعرفها اليوم... ومن كان يملك القرار فيها منذ البداية؟

*غداً في الحلقة الرابعة: من هو المفتي الذي تحتاجه الدار؟ (4)



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة