السبت 22 آب 2026 - 23:58
خاص (أيوب)
لم تكن زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى الجنوب يوم الجمعة مجرّد جولة تفقدية للجيش، ولا كلمته أمام الضباط في ثكنة بنوا بركات في صور خطاباً بروتوكولياً عابراً. في توقيتها ومضمونها ومكانها، حملت الزيارة رسائل تتجاوز دعم المؤسسة العسكرية إلى محاولة تثبيت مفهوم جديد للدولة في منطقة شكّلت لعقود إحدى أكثر ساحات الصراع حساسية في لبنان. والأهم أن سلام يراكم، خطوة بعد أخرى، صورة رجل الدولة الذي يحاول تحويل المواقف السياسية إلى مشروع حكم متكامل.
اختار سلام الجنوب ليقول إن وجود الجيش ليس مجرد انتشار عسكري، بل "حضور للدولة"، وإن كل موقع ينتشر فيه الجيش هو موقع تستعيد فيه الدولة سلطتها وهيبتها. وربط استعادة السيادة ببناء دولة قادرة وبوجود جيش واحد قوي، مؤكداً أن لبنان يجب أن يستعيد قرار الحرب والسلم.
أهمية الكلام أنه صدر من الجنوب نفسه، وفي لحظة كانت الاعتداءات الإسرائيلية مستمرة فيها. وبالتالي، لم يطرح سلام سيادة الدولة في مواجهة سلاح الداخل وحده، بل وضعها في معادلة متكاملة: انسحاب إسرائيلي كامل، بسط سلطة الدولة، دعم الجيش، وعودة اللبنانيين إلى قراهم.
بهذا المعنى، تجنّب سلام الوقوع في فخ المقايضة بين السيادتين. فلا الاحتلال الإسرائيلي يمكن أن يكون مبرراً لاستمرار ازدواجية القرار الأمني والعسكري، ولا المطالبة بحصرية السلاح تعني تجاهل الاعتداءات الإسرائيلية. الدولة، في منطقه، هي الجهة التي تواجه الاثنين: الاحتلال من الخارج، وانتقاص سلطتها في الداخل.
لكن الجزء الأكثر دلالة في كلمته ربما كان حديثه عن أن عودة الدولة إلى الجنوب لا تكتمل بالجيش وحده. فقد تحدث عن المدرسة والمستشفى والطريق والكهرباء والمياه والإدارة والقضاء وفرص العمل وإعادة الإعمار.
هنا ينتقل سلام من مفهوم "الدولة الأمنية" إلى مفهوم الدولة الفعلية. فالسيادة ليست دبابة وحاجزاً وثكنة فقط، بل أن يشعر المواطن الجنوبي بأن الدولة موجودة في حياته اليومية، وأنها قادرة على حمايته وإنماء منطقته وإعادة إعمار ما دمرته الحرب.
هذه النقطة تحديداً تساهم في مراكمة صورة سلام كرجل دولة. فهو لا يقدم نفسه زعيماً لطائفة أو قائداً لمحور سياسي، ولا يخاطب جمهوراً بهدف شد عصبيته، بل يحاول بناء شرعية مختلفة تقوم على المؤسسات والدستور والجيش والقضاء ومفهوم المواطنة.
حتى وجود وزير الدفاع ميشال منسى إلى جانبه اكتسب دلالة إضافية بعد التباين الذي شهدته العلاقة بينهما أخيراً. فالخلاف السياسي لم يمنع ظهورهما معاً في مهمة رسمية تتعلق بالجيش والجنوب، بما ينسجم مع تأكيد سلام أن حكومته باقية "حكومة متضامنة" كما يتطلب الدستور.
نواف سلام لا يراكم شعبوية، بل يحاول أن يراكم شيئاً أصعب في لبنان:هيبة الموقع وصورة رجل الدولة. وزيارته إلى الجنوب كانت محطة إضافية في هذا المسار، لأن الرسالة التي حملها من صور لم تكن موجهة إلى الجيش وحده، بل إلى اللبنانيين جميعاً: لا سيادة من دون دولة، ولا دولة من دون جيش واحد، ولا معنى للدولة إذا لم تصل إلى المواطن بالأمن والإنماء والقضاء والخدمات.
هذا، في بلد اعتاد أن تكون فيه الدولة الحلقة الأضعف، قد يكون التحدي الأكبر أمام نواف سلام، كما قد يكون الرصيد السياسي الأهم الذي يراكمه.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



