الأربعاء 12 آب 2026 - 0:10
كتبت (تالا غمراوي)
لم يعد السؤال بعد صدور حكم الإعدام الغيابي بحق الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد مرتبطاً بمضمون الحكم نفسه، بقدر ما أصبح مرتبطاً بإمكانية تنفيذه. فالأسد موجود في روسيا، بعيداً عن قبضة السلطات السورية، ما يفتح ملفاً أكثر تعقيداً: كيف يمكن لدمشق أن تلاحق رئيساً سابقاً محكوماً بالإعدام ويقيم تحت المظلة الروسية؟
الحكم لا يعني أن الأسد سيُسلَّم إلى دمشق أو أنّ روسيا أصبحت ملزمة بتسليمه. لكنه يمنح السلطات السورية ورقة قضائية جديدة يمكن البناء عليها في أي تحرك لاحق للمطالبة باستعادته ومحاكمته وتنفيذ الأحكام الصادرة بحقه.
من دمشق إلى موسكو
بعد سقوط النظام ومغادرة الأسد إلى روسيا، أصبح أي تحرك قضائي سوري بحقه يصطدم بحقيقة أساسية: دمشق لا تملك سلطة على الأراضي الروسية.لذلك، فإنّ إصدار الحكم كان الجزء الأسهل نسبياً، أما الوصول إلى الأسد فهو الجزء الأكثر تعقيداً.
من هنا ينتقل الملف تدريجياً من المحاكم إلى السياسة والدبلوماسية.فإذا أرادت السلطات السورية استعادة الأسد، سيكون عليها فتح الملف مع موسكو، وتقديم طلبات قانونية لتسليمه، والدخول في مفاوضات قد تتجاوز قضية شخص واحد إلى مستقبل العلاقة السورية–الروسية بأكملها.
هل تسلّمه روسيا؟هذا هو السؤال الأساسي.
بالنسبة إلى موسكو، بشار الأسد ليس لاجئاً عادياً. روسيا كانت الحليف العسكري والسياسي الأبرز لنظامه، وتدخلها العسكري منذ عام 2015 لعب دوراً أساسياً في بقائه في السلطة لسنوات إضافية.لذلك، فإن تسليمه إلى دمشق، إذا حصل يوماً، لن يكون إجراءً قضائياً عادياً، بل قراراً سياسياً روسياً كبيراً.وقد يرتبط مثل هذا القرار بحسابات موسكو ومصالحها في سوريا وعلاقتها بالسلطة الجديدة ومستقبل وجودها ونفوذها في البلاد.
هل يستطيع الأسد مغادرة روسيا؟
هنا قد تظهر إحدى أهم النتائج العملية للحكم.فوجود الأسد داخل روسيا يوفر له هامشاً كبيراً من الحماية. أما خروجه منها، فقد يجعله أكثر عرضة لملاحقات قضائية، بحسب الدولة التي يتوجه إليها والمذكرات الصادرة بحقه والاتفاقيات التي تحكم عمليات التوقيف والتسليم.لكن صدور حكم سوري لا يعني تلقائياً أن جميع دول العالم أصبحت ملزمة باعتقاله.كما أن وجود عقوبة الإعدام يمكن أن يعقّد أي طلب لتسليمه من دول ترفض تسليم المطلوبين عندما يكونون معرضين لهذه العقوبة، ما لم تحصل على ضمانات بعدم تنفيذها.
أما عائلة الأسد، فلا يشملها الحكم الصادر بحقه تلقائياً، إذ إن المسؤولية الجنائية شخصية ولا تنتقل إلى الزوجة أو الأبناء. لكن أسماء الأسد وأولادها قد يواجهون ملفات منفصلة إذا صدرت بحقهم اتهامات أو مذكرات قضائية مستقلة. كما قد تبرز قضية الأموال والممتلكات المرتبطة بالعائلة، فيما تبقى إقامتهم في روسيا مرتبطة بموقف موسكو ووضعهم القانوني هناك.
الأبعد من الجانب القانوني هو احتمال تحوّل مصير الأسد نفسه إلى ورقة في العلاقات بين دمشق وموسكو.فالسلطات السورية الجديدة لديها ملفات كبيرة مع روسيا، من الوجود والمصالح العسكرية إلى العلاقات الاقتصادية والسياسية، فيما تحتاج موسكو إلى المحافظة على أكبر قدر ممكن من نفوذها داخل سوريا.
وسط هذه المصالح، يصبح السؤال عن مصير الرئيس السابق جزءاً من معادلة أكبر.وقد تتمسك موسكو ببقائه لديها، أو تستخدم الملف ضمن مفاوضاتها المستقبلية مع دمشق.
أهمية الحكم إذاً لا تكمن في أنّ الأسد سيُعدم غداً.بل في أنه يؤسس لمرحلة جديدة من ملاحقته
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



