الأربعاء 12 آب 2026 - 0:07
كتب (عامر أمين ارناؤوط*)
حفل تاريخ إيران القديم والحديث بالعديد من الأزمات، لعل أولها انقلاب الإمام الخميني على شركائه اليساريين في حزب تودا الذي بذل التضحيات في سبيل التخلص من حكم الدكتاتور الشاه وبالشراكة مع المرجعية الدينية التي شكلت الحاضنة الدينية لهذا التغيير والمعبدة لطريق نزع الشرعية عن حاكم ظل لقرون "معبود الجماهير"، وفي مملكة عُرفت بتقديس حكامها.
ثم بعد ذلك نشأت ازدواجية الثورة والدولة في مشهدية دفع ثمنها جنرالات الجيش الإيراني الذين قضوا في عمليات تطهير اطاحت بالعشرات منهم لصالح سطوة القرار الواحد المتمثل في نمو خط الحرس الثوري المؤيد لأفكار الخميني والحارس لها.
المحطة الثالثة من الصراع تمثلت في انقسام أهل الثورة بعد موت الخميني بين خطين.
الأول:يدعو لحفظ كيان الدولة والابقاء على الثورة كضامن للنظام، ومثل هذا الخط المرجع الأبرز محمد علي أراكي.
الثاني:قاده رئيس مجلس الشورى آنذاك هاشمي رفسنجاني، الذي دعا إلى دمج الحرس في مؤسسات الدولة، والالتزام بمقتضياتها، متحالفاً مع رئيس الجمهورية آنذاك علي خامنئي، الذي حمله هذا التحالف ليكون خليفة للخميني، وليأتي رفسنجاني رئيساً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وليقود هذا التغيير الذي كان واضح النتائج في انفتاح إيران على العالم، وحلحلة ملفاتها الشائكة، وبدء مرحلة التحضر للتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية لاحقاً.
هذا الخط المنتصر في إيران أثبت قدرته على لملمة تمدد إيران في العالم العربي والغربي، وعرف لأول مرة إظهاراً لدبلوماسية الثورة الإيرانية التي قادت عملية التغيير، وتناست أن لاستقلالية هذا القائد الجديد لإيران علي خامنئي، قدرة على التملص من الالتزامات بفعل استقلاليته المالية وسلطته المطلقة بحسب الدستور والقانون، ما جعله يثور على هذا الخط، ويعيد الاعتبار من جديد لفكرة ضمانة الحرس الثوري للنظام مع استمراره في قضم مفاصل الدولة عبر سيطرة قوى الحرس الثوري عليها.
ومن جديد عدنا لفكرة الأداء المزدوج بين الدولة كواجهة سياسية وبين الدولة العميقة المتمثلة بسلطة ولي الفقيه الإمام الخامنئي ومعه منظمة الحرس الثوري.
ومنذ ذلك الحين وإيران تتخبط بين رؤيتين أمنية وسياسية، حتى جردها الرئيس الأمريكي من الرداء السياسي، وأظهر للعالم كله آلتها الأمنية ومخططاتها نحو الجوار العربي والإسلامي ورؤيتها للعالم الغربي والقوى العالمية.
إيران المحكومة الآن بالرؤية الأمنية لن تستطيع الخروج من عنق الزجاجة إلا بأحد حالين: إما ثورة داخل الثورة تطيح بالطبقة السياسية الحاكمة حالياً لصالح حكومة الجيش والنظام، وأما عبر ثورة شعبية ستطيح بالنظام لكنها لن تأتي بنظام جديد، لأن إيران الثورة كسرت كل إمكانية في الانتقال السلمي السياسي دون المرور بمرحلة الفوضى المطلقة التي ستحيل إيران إلى ما يشبه أفغانستان بعد انتصارها على روسيا حيث عاشت عقداً من الزمان دخلت فيه بصراعات قوى الأمر الواقع والدمار الشامل. فهل تهاوي إيران سيأخذها نحو التحلل والانهيار أم إلى الانتحار؟!
*رئيس تحرير موقع "أيوب"
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



