الأربعاء 16 أيلول 2026 - 0:03
خاص (أيوب)
لم تعد خطط إنماء طرابلس محصورة هذه المرة بالوعود، بل انتقلت إلى مجموعة مشاريع واتفاقيات يُراد منها إعادة رسم الدور الاقتصادي للمدينة والشمال، انطلاقاً من مرفأ طرابلس والمنطقة الاقتصادية الخاصة، مروراً بإحياء السكك الحديدية، وصولاً إلى تشغيل مطار القليعات وربط هذه المرافق ضمن منظومة لوجستية واحدة.
وفي هذا الإطار، استضاف السراي الكبير، برعاية رئيس الحكومة نواف سلام أمس، حفل توقيع عقود مشاريع ومذكرات تفاهم تحت عنوان "طرابلس: شراكات استراتيجية، مستقبل استثماري وتنمية مستدامة"، بمشاركة وزراء ونواب وسفراء وشخصيات اقتصادية.
سلام وضع المشاريع في إطار رؤية تتجاوز طرابلس إلى الشمال وعكار والاقتصاد اللبناني ككل، مشدداً على الانتقال من "الوعود إلى العمل"، وعلى ضرورة التعامل مع المرفأ والمنطقة الاقتصادية والسكك الحديدية ومطار القليعات باعتبارها أجزاء من منظومة متكاملة تربط البحر والبر والجو.
أما وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، فكشف عن حجم المشاريع المرتقبة في مرفأ طرابلس، مشيراً إلى نحو 20 مشروعاً تطويرياً خلال السنوات الثلاث المقبلة.
وتتضمن الخطة إنشاء باحة حديثة للكشف الجمركي ومستودعات جديدة، بينها مستودعات مبردة، إلى جانب اعتماد نظام رقمي لإدارة مجتمع المرفأ بهدف تسريع الإجراءات وتعزيز الشفافية.
لكن التحول الأكبر سيكون في محطة الحاويات. إذ تستهدف المرحلة الأولى رفع قدرتها الاستيعابية القصوى من نحو 250 ألف حاوية نمطية سنوياً إلى نحو 800 ألف، على أن تقود المرحلة التالية، وفق الخطة التوجيهية، إلى تجاوز 1.8 مليون حاوية سنوياً.
ولا تتوقف الرؤية عند حدود المرفأ، إذ يجري العمل على إعادة تحريك مشروع خط السكك الحديدية الذي يربط مرفأ طرابلس بالعبودية والحدود السورية، ومنها بحمص والشبكة الحديدية السورية. والهدف مستقبلاً هو الوصول عبر هذه الشبكات إلى العراق والأردن والخليج وتركيا، بما يمنح المرفأ سوقاً تتجاوز السوق اللبنانية.
ويُضاف إلى ذلك مطار القليعات، حيث أكد سلام أن مشروع مطار الرئيس رينيه معوض انتقل إلى التنفيذ الفعلي وأن أعمال التأهيل تتقدم استعداداً للتشغيل.
وتكمن أهمية هذه المشاريع في محاولة تغيير النظرة الاقتصادية إلى طرابلس نفسها.فالمدينة، وفق الرؤية الحكومية، لا يُراد لها أن تبقى منطقة تطالب بحصتها من الإنماء، بل أن تتحول إلى مركز قادر على المساهمة في نمو الاقتصاد اللبناني واستقطاب الاستثمارات وخلق فرص العمل.
كما أن الجمع بين المرفأ والمنطقة الاقتصادية والمطار والسكك الحديدية يمكن، في حال التنفيذ، أن يمنح الشمال ميزات لوجستية يصعب توافرها مجتمعة في منطقة واحدة، ويفتح المجال أمام الصناعات والخدمات والتخزين والترانزيت والتصدير.
لكن الاختبار الحقيقي يبقى في التنفيذ والتمويل. فالمشاريع التي طُرحت اليوم كبيرة وطموحة، ونجاحها مرتبط بالانتقال من الدراسات والتلزيمات إلى الورش الفعلية وجذب القطاع الخاص والاستثمارات.
وبذلك، قد تكون طرابلس أمام فرصة مختلفة هذه المرة: ليس فقط لاستعادة دور مرفئها التاريخي، وإنما للتحول، عبر المرفأ والقليعات والمنطقة الاقتصادية والسكك الحديدية، إلى بوابة لوجستية للبنان باتجاه شرق المتوسط وعمقه العربي والإقليمي.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



