قضايا وتقارير


مطار بيروت بين قبضة الأحزاب وتحذيرات الطيران الدولي

الأربعاء 21 تشرين الأول 2026 - 0:02

كتب (وسام رضوان)

من يتحمل مسؤولية تسييس اعتماد ترخيص المطار؟ وزير الأشغال فايز رسامني والحزب التقدمي الاشتراكي أمام امتحان المساءلة لجهات تسلمت ملف الترخيص لسنوات ولم تنجزه.

في لبنان، اعتاد المواطن أن يدفع ثمن المحاصصة السياسية من أمواله وخدماته ومستقبله، لكن أن تمتد شبهات التدخلات الحزبية والمحسوبيات إلى المطار وقطاع الطيران المدني، فهنا تتجاوز المسألة حدود الفساد الإداري التقليدي لتلامس أخطر ما يمكن أن تؤتمن عليه الدولة *أرواح المسافرين وسلامتهم.*

لم يكن التقرير الذي كشفت عنه وكالة «رويترز» في ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ بشأن نتائج التقييم الفني للمطار والذي أجرته منظمة الطيران المدني الدولي «الإيكاو»، خبراً عادياً يمكن تجاوزه بتصريح مطمئن أو وعد إداري.

فالتقرير كشف عن نواقص جدية مزمنة لعقود في منظومة تشغيل المطار لم يتم إصلاحها من طرف المسؤولين عن إدارة المطار لسنوات، أبرزها انتهاء صلاحية شهادة الاعتماد المشروطة لمطار رفيق الحريري الدولي، وعدم كفاية تجهيزات الإطفاء والإنقاذ للطائرات الكبيرة، وغياب خطة طوارئ مستوفية للمتطلبات، ونقص عدد مراقبي الحركة الجوية؛ وعدم تدريبهم لأكثر من ١٥ سنة. والمسؤول المباشر عن هذا الملف إدارة الملاحة الجوية، إضافة إلى عدم اكتمال إنشاء هيئة مستقلة وفعالة للتحقيق في حوادث الطيران.

هذه الملاحظات لا تثبت أن المطار غير آمن في جميع عملياته، لكنها تحذيرات فنية تستوجب إجراءات عاجلة، لا سيما عندما تتعلق بالاستعداد للطوارئ والرقابة على تطبيق المعايير الدولية، وقد صرح رئيس الهيئة العامة للطيران المدني بأنه ومنذ تسلمه مع بداية العام ٢٠٢٦ وهو يحاول المساعدة في تصحيح الخلل الموجود بالمطار.

والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف وصلت منظومة الخلل في منظومة تشغيل المطار في لبنان إلى هذه المرحلة منذ عقود دون أية محاسبة، ومن يتحمل مسؤولية معالجة الاختلالات قبل أن تتحول إلى خطر فعلي؟

الأكثر إثارة للقلق أن هذه التطورات جاءت بالتزامن مع كشف تدخلات حادة واتهامات بالتدخل من أطراف لمقربين من دائرة القرار، تدور حولهم علامات استفهام، بشأن صلاحيات الهيئة العامة للطيران المدني بالإضافة إلى ممارسة ضغوط تتعلق بملفات تراخيص لشركات خاصة غير مستوفية للشروط كما تم تداوله، تتبع أشخاصاً من طائفة الوزير.

فقد نشر موقع «أيوب»، في ١٧ تشرين الأول، إفادة منسوبة إلى مصدر مسؤول تحدث فيها عن تدخلات مزعومة لعضو مجلس إدارة الهيئة حاتم ذبيان في أعمال الهيئة وملفات التراخيص للشركات وعن خلافات تتصل بشركات من بينها«Spin Aviation»  و«Beirut Wings» .

وذهب المصدر إلى لوم وزير الأشغال فايز رسامني بالدفاع عن ذبيان رغم الاعتراضات المطروحة من الجميع حوله.

هذه الاتهامات وإن لم تُحسم قضائياً، تستوجب تحقيقاً رسمياً، خصوصاً أنها تتعلق بقطاع لا يجوز أن تخضع فيه القرارات الفنية للمساومات أو الضغوط السياسية.

وهنا نصل إلى جوهر المشكلة: من يحكم قطاع الطيران المدني اللبناني؟ القانون والمعايير الفنية، أم النفوذ السياسي والحزبي؟

يتولى وزارة الأشغال العامة والنقل الوزير فايز رسامني الذي جاء إلى الحكومة من حصة الحزب التقدمي الاشتراكي، برئاسة النائب تيمور جنبلاط وإن كان غير منتسب حزبياً وفق المصادر التي تناولت تشكيل الحكومة.

ومن الطبيعي أن يُسأل الحزب الذي سمّى الوزير عن أدائه السياسي كما يُسأل الوزير نفسه عن طريقة ممارسته لصلاحياته ومسؤوليته عن المؤسسات الخاضعة لوصايته.

فالمسؤولية السياسية لا تنتهي عند تسمية الوزراء ولا يجوز أن تتحول الوزارات إلى مناطق نفوذ تُحمى فيها القرارات من المساءلة بحجة التوازنات الطائفية والحزبية.

وليس المطلوب اتهام الوزير أو الحزب بفساد لم يثبت، وإنما مطالبتهما بتقديم إجابات واضحة عن طبيعة التدخلات التي تحدثت عنها التقارير الصحفية وحدود صلاحيات أعضاء مجلس إدارة الهيئة، وما هي الضمانات التي تمنع التأثير في قرارات التفتيش والترخيص، وهل سيتخذ الوزير خطوة جريئة باستبدال ذبيان كونه تغيب عن الجلسات لأكثر من ٥ مرات، وذلك وفقاً لبنود القانون ٤٨١ الصادر في العام ٢٠٠٢، وهو عضو غير متفرغ بالهيئة، ومتغيب لأكثر من ٥ جلسات، ومرتبط بعمل خارج البلاد، وليس له أية صلاحيات تنفيذية مطلقة،  أم أن التدخلات السياسية ستكون فوق كل اعتبار؟

لقد سبق لوزير الأشغال أن نفى تدخله في الشؤون الطائفية، لكن التصريحات والبيانات الدفاعية مهما كانت، لا تغني عن التحقيق عندما تُثار شبهات تتعلق بتدخلات لتراخيص شركات الطيران، ومنع استقلالية الأجهزة الرقابية من إتمام عملها.

فالشفافية لا تتحقق بالدفاع عن الأشخاص بل بفتح الملفات أمام الجهات المختصة وإعلان نتائج التحقيقات.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الطيران المدني هو أن يشعر المفتش المسؤول عن سلامة الطائرات أو التراخيص بأن قراره قد يتعارض مع مصالح شخصية نافذة أو حسابات حزبية.

وهنا لا نتحدث عن معاملة إدارية متأخرة أو وظيفة يجري التنافس عليها، بل عن شهادات صلاحية وتشغيل للمطار وكفاءة وإجراءات إنقاذ وإطفاء للعاملين بالمطار، قد يترتب على أي خلل جوهري فيها تعريض حياة المسافرين للخطر.

في المطار لا توجد محسوبيات صغيرة فالتهاون في إجراء فني واحد قد تكون له نتائج لا يمكن تداركها.

ولذلك فإن كشف منظمة «الإيكاو» عن نواقص في منظومة المطار لسنوات والذي كان يدار منذ سنوات من مديرية المطارات التي يرأسها مقرب من دائرة الوزير، بالتزامن مع الاتهامات الداخلية المتعلقة بالتدخل في التراخيص يفرض فتح الملفين معاً لا لأن وجود علاقة سببية بينهما قد ثبت بل لأن كليهما يثير سؤالاً أساسياً حول فعالية الرقابة واستقلالها.

أمام هذه المعطيات يصبح من حق اللبنانيين أن يوجهوا أسئلة مباشرة إلى الوزير فايز رسامني وإلى الحزب التقدمي الاشتراكي الذي سمّاه:

هل يتمتع المسؤولون الفنيون في الهيئة والمطار بالاستقلال اللازم لممارسة مهامهم دون تدخلات؟

وما حقيقة الملفات التي أُثيرت بشأن بعض الشركات، وهل توجد مستحقات مالية للدولة أو مخالفات تمنع منح التراخيص؟

هذه الأسئلة لا تجوز مواجهتها بالاعتبارات الطائفية أو الخطابات السياسية بل بالوثائق والقرارات الإدارية والنتائج الفنية المنشورة.

وإذا كان الوزير يؤكد أن الإجراءات التصحيحية بدأت، وأن تجديد شهادة الاعتماد للمطار قيد المعالجة، فهذا تطور مطلوب، لكنه لا يعفي الوزارة والهيئة من حسم الاتهامات المتعلقة باستقلالية الرقابة؛ والسؤال الأهم: من هو المسؤول عن عدم ترخيص الاعتماد للمطار منذ سنوات، وقد أشارت مصادر إلى أن المسؤولية تقع على عاتق مديرية المطارات والسيدة أنجلا عواد، التي أمسكت بالملف لسنوات، وهذا ما يحتاج إلى التحقق منه بشفافية مطلقة لمعرفة الخلل ومعالجته.

إن إعادة إصدار شهادة الاعتماد للمطار مهمة. لكن الأهم أن تكون نتيجة استيفاء حقيقي لمنظومة متكاملة بالمطار لا مجرد معالجة شكلية لأزمة إعلامية.

وعلى دولة رئيس الحكومة نواف سلام، الذي رفع شعار بناء الدولة والمؤسسات أن يدرك أن اختبار الإصلاح لا يكون في بيانات الوزراء، بل عندما تصطدم متطلبات القانون بمصالح القوى السياسية التي شاركت في تشكيل الحكومة.

فإذا ثبت وقوع تدخلات غير مشروعة في ملفات تراخيص الطيران والتقصير في تدريب المراقبين الجويين، وترخيص المطار، فإن محاسبة المسؤولين عنها يجب أن تكون فوق أي اعتبار سياسي أو طائفي.

أما إذا ثبت عدم صحة الاتهامات فمن حق الأشخاص الذين طالتهم استعادة اعتبارهم، ومن واجب الجهات المختصة إعلان الحقائق للرأي العام.

إن القضية ليست صراعاً بين السنّة والدروز، ولا مواجهة بين هذا الحزب وتلك الطائفة، بل اختبار لقدرة الدولة اللبنانية على حماية مؤسسة يفترض أن تكون سلامة الإنسان فيها فوق جميع الاعتبارات.

وعندما يُطرح اسم الحزب التقدمي الاشتراكي في هذا الملف، فإن مسؤولية قيادته السياسية تقتضي دعم التحقيق المستقل، وعدم توفير أي غطاء سياسي لمن قد تثبت مسؤوليته عن تجاوز القانون.

فالموقف الذي يُنتظر من تيمور جنبلاط، ليس الدفاع المسبق عن وزير جرى اختياره من حصة حزبه، وإنما التأكيد على أن اعتماد ترخيص المطار، وحقوق المسافرين واستقلال المؤسسات، أسمى من أي اعتبارات تتعلق بالمناصب والنفوذ.

وينطبق ذلك على سائر القوى السياسية اللبنانية، دون استثناء.

لقد دفع اللبنانيون أثماناً باهظة نتيجة تسييس الإدارة العامة وإضعاف مؤسسات الرقابة، ولم يعد مقبولاً أن تستمر هذه الممارسات أو شبهاتها، في قطاع قد تكون كلفة الخطأ فيه حياة مئات البشر.

فمطار بيروت ليس غنيمة سياسية، والهيئة العامة للطيران المدني ليست مكتب خدمات للمحاسيب، وتراخيص شركات الطيران ليست أوراقاً توزع وفق موازين النفوذ.

إنها مسؤولية وطنية وقانونية وأخلاقية، وأي محاولة لإخضاع القرار الفني لمصالح حزبية أو شخصية إذا ثبت وقوعها تستوجب محاسبة صارمة.

والمطلوب اليوم تحقيق قضائي وإداري مستقل في الاتهامات المتعلقة بالتقاعس في اعتماد الترخيص اللازم للمطار، والمسؤولين عنه لسنوات ولماذا لم يدرب المراقبين الجويين لأكثر من ١٥ سنة، مما تسبب بوضع لبنان بمثل هذه النقطة الحرجة، ومن هو المسؤول المباشر عن هذا الملف ويجب تحديد المسؤوليات عن أي تقصير يثبت وقوعه.

وأخيراً،إذا كان الفساد في بعض المؤسسات يسرق أموال الناس، فإن الفساد في منظومة المطار إن وقع  قد يسلبهم حياتهم.

وعلى وزير الأشغال والحزب الذي سمّاه أن يقدّما للرأي العام إجابات واضحة وضمانات قابلة للتحقق لا مجرد تطمينات سياسية.

ففي السماء لا مكان للمحاصصة، ولا حصانة للمحسوبيات ولا يجوز أن تعلو سلطة حزب على سلطة القانون.

أرواح المسافرين أمانة ومن يفرط بمعايير سلامتهم لا يجوز أن تحميه السياسة من المحاسبة.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة