قضايا وتقارير


اتفاقية مكة نحو نظام إقليمي واعد

الأحد 9 آب 2026 - 0:06

كتب (د.حبيب البدوي)

تمثل اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي وقّعتها المملكة العربية السعودية مع كل من تركيا وباكستان، محطة لافتة في مسار إعادة تشكيل هندسة الأمن الإقليمي، ومؤشراً واضحاً على النضج الاستراتيجي الذي بلغته الدبلوماسية السعودية في مقاربتها للتحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي. فالمملكة، بقيادتها لهذه المبادرة، لا تتصرف من موقع الحاجة إلى الحماية بل من موقع الثقة بالنفس والقدرة على صياغة بيئة أمنية إقليمية أكثر توازناً، تكمّل علاقاتها الاستراتيجية القائمة مع واشنطن ولا تحل محلها.

تأتي هذه الخطوة في سياق دولي يتسم بتراجع اليقين الذي كانت تمنحه الضمانات الأمنية الأحادية، ما دفع دولاً إقليمية مؤثرة إلى البحث عن شراكات أمنية متعددة تعزز استقلاليتها الاستراتيجية دون أن تفرط بعلاقاتها التاريخية مع القوى الكبرى. وتُظهر المملكة، من خلال ريادتها العربية لهذا المسار، إدراكاً متقدماً لحقيقة أن مقومات القوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد ترتكز على حليف واحد مهما بلغت قوته، بل على شبكة من الشراكات المتكاملة القادرة على تعزيز الردع الجماعي وصون الاستقرار.

يكمن جوهر البراعة الدبلوماسية السعودية في هذه الاتفاقية في طابعها الدفاعي البحت وغير الاستفزازي، وهو طابع تؤكده وقائع الاتفاقية ذاتها أكثر مما تؤكده أي تصريحات مرافقة لها. فالاتفاقية لا تنشئ محوراً عسكرياً موجهاً ضد طرف بعينه، ولا تحمل بعداً طائفياً أو عسكرياً، بل تتمحور حول بناء قدرات ذاتية مستدامة، وتعزيز التصنيع الدفاعي المشترك، وتبادل الخبرة العسكرية بين الأطراف الثلاثة. وهذا الوضوح في التوصيف يعكس حسن تقدير الرياض لموازين الحساسية الإقليمية، وحرصها على تفادي أي قراءة تصعيدية قد تُضعف مكاسب الاتفاقية السياسية.

من اللافت أن الرياضنجحت في بناء هذا الإطار الثلاثي رغم التباين الواضح في أولويات الأمن القومي بين الدول الموقعة، إذ تتوزع اهتمامات باكستان الأمنية حول الهند وأفغانستان، بينما تتركز أولويات تركيا حول الملف الكردي وشرق المتوسط، في حين تنصب الأولوية السعودية على مواجهة السياسات الإيرانية ونشاط جماعة أنصار الله في اليمن. هذا التنوع، بدل أن يكون نقطة ضعف، يمنح الاتفاقية عمقاً استراتيجياً أوسع، ويعكس قدرة القيادة السعودية على جمع أطراف إقليمية متعددة الأولويات ضمن إطار تعاوني واحد قائم على المصلحة المشتركة، لا على عدو موحّد مفترض.

كما يكتسب البعد الاقتصادي للاتفاقية دلالة إضافية تعزز طابعها الدفاعي غير التصادمي؛ فبينما تحتفظ تركيا وباكستان بعلاقات تجارية فاعلة مع إيران، تبقى التجارة السعودية الإيرانية محدودة للغاية. وهذا التباين، بدل أن يُقرأ كتناقض داخلي، يؤكد أن اتفاقية مكة لم تُبنَ لتكون أداة مواجهة، بل إطاراً للردع المتزن الذي يحفظ الاستقرار ويبقي أبواب الحوار الإقليمي مفتوحة، وهو ما يعكس نضجاً في إدارة الرياض لملفاتها الإقليمية الحساسة، وقدرتها على الفصل بين متطلبات الردع ومقتضيات الدبلوماسية.

إن الأهمية الأعمق للاتفاقية تتجاوز البعد العسكري الضيق لتلامس صميم إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية. فالمملكة العربية السعودية، بثقلها المالي والسياسي وشبكة علاقاتها الدولية الواسعة، ليست بحاجة إلى حماية تركية أو باكستانية بالمعنى العسكري الضيق. غير أن قيادتها لهذا التحالف تحمل رسالة أعمق: أن الأمن الإقليمي لم يعد رهينة لقرارات قوة خارجية واحدة، وأن الفاعلين الإقليميين، وفي مقدمتهم المملكة، قادرون على الاضطلاع بدور أكثر فاعلية في صون التوازن الذي يحكم بيئتهم المشتركة.

تنعكس هذه الديناميكية إيجاباً على العالم العربي بأسره، بما فيه لبنان، الذي يحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى بيئة إقليمية أكثر توازناً تمنح الدول العربية الأصغر هامشاً أوسع للتفاوض على سيادتها ومستقبلها وفق مصالحها الوطنية، لا وفق إملاءات خارجية أحادية. فكلما ازداد العالم العربي تماسكاً وثقة بالنفس، ازدادت قدرته على حماية مصالحه، وهو ما تجسده اليوم القيادة السعودية عبر مبادرتها لبناء هذا الإطار الأمني الثلاثي.

ختاماً، فإن اتفاقية مكة للدفاع المشترك، إذا ما تَواصل تطويرها بشفافية ونضج مؤسسي وضبط دبلوماسي كما يعكسه مسارها حتى الآن، ستمثل أكثر بكثير من ترتيب دفاعي عابر؛ إنها إسهام سعودي رائد في بناء نظام أمني إقليمي أكثر توازناً وتماسكاً ومرونة يليق بتطلعات القرن الحادي والعشرين، ويؤكد أن قيادة المملكة العربية السعودية باتت اليوم فاعلاً رئيسياً في صياغة مستقبل أمن منطقتها، لا مجرد طرف متأثر بقرارات تُتخذ خارج حدودها.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة