الأحد 9 آب 2026 - 0:04
يشكّل "اتفاق مكة للدفاع المشترك" بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان تحوّلاً لافتاً في بنية التحالفات الإقليمية، خصوصاً أنه يجمع ثلاث دول تمتلك عناصر قوة مختلفة ومتكاملة: الثقل السياسي والمالي السعودي، والقدرات العسكرية والصناعات الدفاعية التركية، والخبرة العسكرية والقدرة النووية الباكستانية.
وتكمن أهمية الاتفاق في أنه لا يقتصر على تعزيز التعاون العسكري بين الدول الثلاث، بل يكرّس مبدأ الدفاع المشترك، بما يعني أن أي اعتداء على واحدة منها قد يستدعي موقفاً مشتركاً من الدول الأخرى. وهذا المفهوم يرفع من مستوى الردع، ويجعل أي طرف يفكر في مواجهة إحدى الدول الثلاث مضطراً إلى احتساب ردّ أوسع من حدود المواجهة الثنائية.
قوة متكاملة
تمتلك السعودية موقعاً سياسياً واقتصادياً مركزياً في العالمين العربي والإسلامي، إضافة إلى قدرات مالية كبيرة يمكن أن تساهم في تطوير مشاريع دفاعية مشتركة.
أما تركيا، فتمتلك جيشاً كبيراً وقاعدة متقدمة في الصناعات العسكرية، خصوصاً في مجالات المسيّرات والصواريخ والمدرعات والأنظمة الإلكترونية.
وتضيف باكستان إلى هذا التحالف ثقلاً عسكرياً كبيراً، كونها دولة نووية ولديها خبرة واسعة في مجالات التدريب والعمليات العسكرية والتصنيع الدفاعي.
هذا التكامل قد يجعل الاتفاق، في حال تطوره، أكثر من مجرّد تفاهم سياسي، خصوصاً إذا شمل تدريبات مشتركة، وتبادلاً للمعلومات الاستخبارية، وتنسيقاً في أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، وتطويراً مشتركاً للأسلحة والتقنيات العسكرية.
الردع قبل الحرب
الأهمية الأساسية لأي تحالف دفاعي لا تكمن في خوض الحروب، بل في منع وقوعها. فإذا نجح الاتفاق في إقناع أي خصم محتمل بأن مهاجمة طرف واحد قد تعني مواجهة ثلاثة أطراف، فإن ذلك يرفع كلفة الحرب ويعزز الاستقرار.
من هنا، يمكن لـ"اتفاق مكة" أن يشكّل مظلة ردع جديدة في منطقة شهدت خلال السنوات الأخيرة تصعيداً عسكرياً متواصلاً، وتنافساً بين قوى إقليمية ودولية على النفوذ.
لكن نجاح الاتفاق يبقى مرتبطاً بمدى تحوله من نص سياسي إلى آليات تنفيذية واضحة، تشمل غرف تنسيق، وتدريبات منتظمة، وتعاوناً استخبارياً وصناعياً.
ماذا يعني لإيران وإسرائيل؟
من الطبيعي أن تراقب إيران وإسرائيل هذا الاتفاق باهتمام، نظراً إلى وزن الدول الثلاث وقدراتها العسكرية. إلا أن اعتبار الاتفاق موجهاً ضد دولة بعينها يبقى سابقاً لأوانه، طالما أن طبيعته المعلنة دفاعية.
مع ذلك، فإن قيام محور دفاعي يضم السعودية وتركيا وباكستان من شأنه أن يفرض نفسه على حسابات القوى الإقليمية، وأن يغيّر توازنات الردع في المنطقة.
قد يكون وصف الاتفاق بـ"الناتو الإسلامي" مبالغاً فيه في المرحلة الحالية، لأنه لا يمتلك بعد البنية المؤسسية والقيادة المشتركة التي يتميز بها حلف شمال الأطلسي.
لكن الاتفاق قد يشكل نواة أولى لمنظومة أمنية أوسع إذا تطور مستقبلاً، وانضمت إليه دول أخرى أو تأسست حوله مؤسسات دائمة للتنسيق العسكري.
في المحصلة، ستكون قيمة "اتفاق مكة" في قدرته على تحويل القوة العسكرية إلى أداة لمنع الحروب، لا لإشعالها. وإذا نجح في تعزيز الردع، وحماية المصالح الحيوية، وخفض احتمالات المواجهة، فقد يتحول إلى خطوة أساسية نحو صياغة نظام أمني جديد في الشرق الأوسط، قائم بصورة أكبر على قدرات دول المنطقة نفسها.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



