دولي وعربي


"يوم انتزاع الحق": إحياء الوعي بقضية كشمير المحتلة

الجمعه 7 آب 2026 - 0:08

كتب (د. حبيب البدوي(

في الخامس من آب من كل عام، تحيي باكستان والأمة الإسلامية والقوى المتضامنة مع القضية الكشميرية مناسبة “يوم انتزاع الحق”، وهي ذكرى سياسية استُحدثت لتخليد لحظة فارقة في تاريخ النزاع الكشميري الممتد منذ عام 1947. فما الذي يجعل من هذا التاريخ بالذات محطة رمزية بهذا الثقل، وكيف تحوّل حدث دستوري داخلي إلى مناسبة تعبئة دولية متجددة؟

في الخامس من آب 2019، أصدرت الحكومة الهندية أمرًا دستوريًا ألغت بموجبه المادة 370 من الدستور الهندي، التي كانت تمنح إقليم جامو وكشمير وضعًا خاصًا من الحكم الذاتي منذ عام 1950، كما أسقطت المادة 35A الملحقة بها التي كانت تقيّد حق الإقامة والتملك في الإقليم على أبنائه الأصليين. وترافق هذا القرار مع إقرار البرلمان الهندي قانون إعادة التنظيم الذي فكك ولاية جامو وكشمير وأعاد تشكيلها، اعتبارًا من 31 تشرين الأول 2019، إقليمين اتحاديين منفصلين يخضعان لإدارة مركزية مباشرة: جامو وكشمير من جهة، ولاداخ من جهة أخرى. ولم يكن التنفيذ إجراءً إداريًا هادئًا؛ فقد رافقه حظر شامل على الاتصالات، واعتقالات احترازية طالت شخصيات سياسية لا انفصالية، إلى جانب قيود صارمة على حركة الصحفيين، وهو ما وثقته تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في أعقاب القرار مباشرة.

استجابت إسلام آباد لهذا التحول بإعلان رسمي، بدءًا من عام 2020، أي بعد عام واحد من صدور القرار، اعتبرت بموجبه الخامس من آب "يوم انتزاع الحق"، في مقابل تسمية أخرى مستقرة في الخطاب الباكستاني الرسمي هي “يوم التضامن مع كشمير” الذي يُحيا في الخامس من شباط من كل عام. والتمييز بين المناسبتين مهم: فبينما يعبّر يوم التضامن عن التزام سياسي عام وقديم نسبيًا تجاه القضية الكشميرية، جاء يوم انتزاع الحق كرد فعل مباشر ومحدد التاريخ على واقعة انتزاع الحكم الذاتي في 2019، ليصبح بذلك ذكرى سنوية لحدث بعينه لا شعارًا عامًا فحسب.

تتخذ عملية إحياء الذكرى في باكستان طابعًا مؤسسيًا منسقًا، إذ تنظَّم في هذا اليوم مسيرات شعبية وندوات فكرية وحملات إعلامية مكثفة، إلى جانب فعاليات دبلوماسية تستهدف إبقاء الملف الكشميري حاضرًا في الأجندة الإقليمية والدولية. يحرص القادة السياسيون الباكستانيون، في خطاباتهم بهذه المناسبة، على وصف التغييرات التي أعقبت عام 2019 في جامو وكشمير وتحديدًا القواعد الجديدة للإقامة التي منحت غير أبناء الإقليم حق السكن والتملك والعمل الحكومي بأنها شكل من أشكال “الهندسة الديموغرافية”، أي محاولة مقصودة لتغيير التوازن السكاني في الإقليم لصالح الأقلية الهندوسية على حساب الهوية المسلمة التي ميزت وادي كشمير تاريخيًا. ويوظَّف هذا التوصيف لتأطير القرار الهندي باعتباره تجاوزًا يتخطى حدود الشأن الداخلي، وربطه بمخاوف مماثلة أُثيرت في سياقات دولية أخرى.

كما يحمل التاريخ نفسه دلالات رمزية متمايزة بحسب الجهة الناظرة إليه. فبالنسبة إلى الكشميريين، يمثل الخامس من أغسطس بداية مرحلة من القمع المكثف وفقدان الحكم الذاتي، لا ذكرى إنجاز أو حل. أما بالنسبة إلى باكستان، فهو تذكير سنوي بما تصفه بأحادية الجانب الهندية في نقض وضع قائم بالتفاوض، ومناسبة متجددة لتنشيط المناصرة الدولية. وعلى المستوى العالمي، يسلّط "يوم انتزاع الحق" الضوء على أن أسئلة تقرير المصير وحماية حقوق الإنسان التي أثارتها إعادة التنظيم لعام 2019 لا تزال بلا إجابة، مما يضع كشمير في مصاف أقاليم متنازع عليها أخرى تُثار بشأنها إشكاليات مشابهة، مثل شينجيانغ والصحراء الغربية.

إن تأسيس ذكرى سنوية محددة التاريخ، كما فعلت باكستان مع "يوم انتزاع الحق"، ليس مجرد فعل رمزي عابر، بل هو أداة من أدوات الذاكرة السياسية توظَّف لترسيخ سردية معينة حول النزاع وإبقائها حية في الوعي الجمعي، محليًا ودوليًا. وسواء اتفق المرء مع هذا التأطير أو اختلف معه، فإن استمرار إحياء هذه المناسبة سنويًا يعكس حقيقة أعمق: أن قضية كشمير، بعد ما يقارب ثمانية عقود على نشأتها، لا تزال بعيدة عن أي تسوية شاملة ومستقرة، وأن الجدل حول طبيعة الحل الملائم - سواء عبر آليات المراقبة الدولية لحقوق الإنسان أو غيرها من السبل - لا يزال مفتوحًا أمام الباحثين وصناع القرار على حد سواء.

أخيراً، منذ بداية الحقبة الاستعمارية الغربية أواسط القرن الثامن عشر، ما تزال جروح المسلمين نازفة، من طنجة إلى جاكرتا.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة