الخميس 14 أيار 2026 - 0:08
تحت عنوان: "ترامب يستنزف الردع في مقابل إيران؛ ويمكن أن يشعر بأنه ملزم اتخاذ خطوة عسكرية إضافية ضدها"، كتب محلل الشؤون العسكرية في صحيفة "هآرتس" عاموس هرئيل. جاء فيها:
قبل يومين، رفضت إيران وبشكل متوقع إلى حد كبير، الاقتراح الأميركي الأخير بشأن إنهاء الحرب في الخليج؛ فعلى الرغم من الضرر الاقتصادي الهائل الذي لا يزال يلحق بها، وعلى الرغم من الفجوة الكبيرة في القوة العسكرية بين الطرفين، فإن النظام في طهران لا يميل إلى الاستسلام؛ فالتهديدات المتكررة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي لم تنفَّذ بعد، وإصراره على العودة إلى طاولة المفاوضات مراراً مع مقترحات تسوية جديدة، يقنعان القيادة الإيرانية بأن اليد العليا باتت لها فعلياً.
لقد فقد ترامب قوة الردع أمام طهران، وفي النهاية، ربما يرى نفسه مضطراً إلى محاولة استعادتها، عبر خطوة عسكرية مدوية؛ لقد قال مساء أمس إن وقف إطلاق النار يُحتضر، لكن عامل الزمن ضده: فمن المقرر أن يعقد قمة مهمة مع نظيره الصيني شي جين بينغ في نهاية الأسبوع، وبعد شهر، ستستضيف الولايات المتحدة بطولة كأس العالم لكرة القدم، التي يوليها ترامب أهمية كبيرة.
هذه هي الخلفية التي تكمن خلف ردة الفعل الأميركية المتحفظة عن الحوادث الأخيرة مع إيران بشأن مضيق هرمز؛ وأصبحت مسألة إعادة فتح المضيق القضية الأكثر إلحاحاً وحساسيةً في المفاوضات، بينما تفضل طهران التركيز أولاً على إنهاء القتال والتفاهمات المتعلقة بحركة الملاحة في الخليج، قبل بدء النقاش بشأن كبح برنامجها النووي.
يحاول الإيرانيون ربط هذه الخطوات أيضاً برفع العقوبات الاقتصادية التي فرضها عليهم المجتمع الدولي، وبالحصول على تعهّد من الولايات المتحدة وإسرائيل بعدم مهاجمتهم مجدداً. ووفقاً لتقارير إعلامية أميركية، فإن مرونة الإيرانيين حيال المسألة النووية أقلّ كثيراً مما وُصف الأسبوع الماضي؛ فطهران توافق فقط على إخراج جزء من مخزونها البالغ 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصّب، وترفض تفكيك البنية التحتية النووية داخل أراضيها، وهي مستعدة لوقف التخصيب على أراضيها لفترة محدودة فقط.
وإذا قرّر ترامب الانسحاب من المفاوضات، فستعود المعضلة الأصلية التي تطارده منذ شهر ونصف الشهر: هل سيختار تصعيداً عسكرياً قصير الأمد، عبر قصف مكثف لمواقع البنية التحتية الوطنية في إيران، أم سيُبقي الحصار القائم على جنوب مضيق هرمز على حاله، على أمل أن يؤدي الضرر الاقتصادي إلى كسر النظام؟ أمس، حاول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعزيز رواية ترامب، فزعم خلال مقابلة في برنامج "60 دقيقة" في شبكة CBSأن قرار الإيرانيين بشأن إغلاق مضيق هرمز كان مفاجئاً، لكن كلامه بعيد عن الدقة: لقد جرى التدرب على هذا السيناريو في مناورات حربية أميركية وإسرائيلية طوال عقود.
تواجه الحرب المسدودة الأفق في الخليج ازدياداً في الانتقادات داخل الولايات المتحدة، ففي الأيام الأخيرة وردت تقارير عن تراجُع مخزونات الذخيرة الأميركية بسبب الحرب، بشكل يمكن أن يصعّب على واشنطن خوض أي مواجهة عسكرية محتملة مع الصين مستقبلاً. قبل يومين، كتب المؤرخ المحافظ روبرت كاغان مقالاً في مجلة "ذي أتلانتيك" أثار اهتماماً واسعاً، وجاء فيه أن الولايات المتحدة مُنيت بـ"هزيمة كش ملك" أمام إيران. وقال كاغان إن هناك "خسارة استراتيجية سُجلت، وسيكون من الصعب إصلاحها، أو تجاهلها".
يشدّد كاغان أيضاً على مسألة السيطرة على هرمز؛ فالمضيق، حسبما كتب، لن يبقى مفتوحاً مثلما كان عليه في السابق. ومن خلال السيطرة عليه، تتحول إيران إلى لاعب محوري في المنطقة والعالم؛ كذلك تتعزز مكانة حليفتيها الصين وروسيا، في حين يضعف موقع الولايات المتحدة. وأضاف أنه "بدلاً من إظهار القوة الأميركية، كشف الصراع أن الولايات المتحدة دولة لا يمكن الاعتماد عليها، وغير قادرة على إنهاء ما بدأته".
بحسب قوله، فإن 37 يوماً من القصف الجوي الأميركي والإسرائيلي على إيران لم تؤدّ إلى انهيار النظام، أو حتى إلى أصغر تنازُل من جانبه. وحتى الضغط الاقتصادي، حسبما يدّعي كاغان، لن يُرغم النظام على الركوع. فقيادة ذبحت مواطنيها في كانون الثاني/يناير الماضي عندما تظاهروا ضدها، لن تخشى فرض أعباء اقتصادية على الشعب الإيراني من أجل البقاء. ويرى كاغان أن نقطة التحول في الحرب جاءت في 18 آذار/مارس، عندما هاجمت إسرائيل حقل غاز إيرانياً، فردّت طهران بقصف منشأة ضخمة للغاز الطبيعي في قطر، متسببةً بأضرار ستحتاج إلى أعوام لإصلاحها؛ عندها أعلن ترامب تجميد ضربات البنية التحتية، ثم لاحقاً، أعلن وقف إطلاق النار من دون أن يحصل على مقابل من الإيرانيين.
مكشوفون في الميدان
تنعكس سياسة الولايات المتحدة في الخليج أيضاً على مستوى الضبط النسبي الذي تفرضه على إسرائيل في لبنان؛ فالقوات البرية التابعة للجيش الإسرائيلي في الجنوب اللبناني تتمركز في وضع دفاعي أساساً أمام حزب الله، ولا تزال تواجه هجمات يومية بطائرات مسيّرة مفخخة؛ قبل يومين، قُتل جندي احتياط جرّاء انفجار طائرة مسيّرة، وأصيب أمس ثلاثة جنود بجروح طفيفة. تردّ إسرائيل بغارات جوية مكثفة، لكنها تتركز - بتوجيه أميركي، على ما يبدو - على خط التماس والمناطق القريبة شماله. كما أن تطوير حلّ تكنولوجي للطائرات المسيّرة التي تعمل بالألياف البصرية سيستغرق وقتاً، وفي هذه الأثناء، يأمل الجيش بتقليص عدد الإصابات، عبر فرض انضباط عملياتي أكثر صرامةً على المقاتلين.
أعاد عضو الكنيست أفيغدور ليبرمان إلى الواجهة تعبيراً من أيام "الحزام الأمني" في لبنان، إذ قال إن الجنود في لبنان مكشوفون "كالبط في ميدان الرماية"، وهو تعبير صاغه لأول مرة الوزير أفيغدور كهلاني في منتصف التسعينيات، وعلى الأرجح، هذا هو الشعور الذي يسود الرأي العام الجماهيري.
قبل يومين، حضر رئيس هيئة الأركان إيال زامير جلسة للجنة الخارجية والأمن، وشرح أمام أعضائها حجم الأعباء التي ستُلقى على الجيش المقاتل هذا العام، إذ يتعامل الجيش الإسرائيلي مع مئة يوم خدمة احتياط سنوياً للمقاتل على أنها تقدير معقول. وعلّق بعض نواب المعارضة بأن حجم المهمات لا ينسجم ببساطة مع حجم القوات المتاحة حالياً للجيش.
لكن ما الذي يشغل نتنياهو في خضم هذا كله؟ على ما يبدو، لا ينشغل بهذا كثيراً؛ فرئيس الوزراء منشغل بمعركة الذاكرة، وفي مقابلة أجراها مع قناة CBSسُئل عن مسؤوليته عن الإخفاقات التي أدت إلى "مجزرة" 7 أكتوبر، فأجاب بمراوغته المعهودة: "إن الجميع يتحمل المسؤولية". وقال، "لكن ماذا عن المسؤولية بعد 7 أكتوبر؟" وبكلمات أُخرى، بينما يرفض الاعتراف بدوره فيما سبق "المجزرة"، فإنه يطالب بالاعتراف بفضله بشأن الإنجازات التي تحققت بعدها (والتي يبالغ في تقديرها). ويبدو كأن هذه القضية تتبلور حالياً كمحور أساسي في الحملة الانتخابية، ويبدو كأن نتنياهو سيفعل كل ما في وسعه لطمس ذاكرة الناخبين.
*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



