الجمعه 8 أيار 2026 - 0:06
تحت عنوان: "تحركات إسرائيل في لبنان يمكن أن تعقّد جهود ترامب من أجل التوصل إلى اتفاق مع إيران"، كتب الصحفي الإسرائيلي عاموس هرئيل مقالة في صحيفة "هآرتس" جاء فيها:
إن فتور حماسة رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، إزاء احتمال استئناف الحرب مع إيران، بات واضحاً منذ أسابيع؛ ففي بداية هذا الأسبوع، اضطر ترامب إلى تصعيد تهديداته ضد النظام في طهران، أملاً بالتوصل إلى تسوية تنهي القتال في الخليج؛ أمّا الآن، فبدأ الرئيس يتحدث فعلاً عن تحقيق اختراق في المفاوضات.
صحيح أن وعوداً من هذا النوع تحطمت مراراً على أرض الواقع منذ اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير، لكن هذه المرة، تبدو النيات كأنها أكثر جدية. وفي الوقت نفسه، تتضح نتيجة أُخرى ذات دلالة: فعلى الرغم من أن إسرائيل دخلت المواجهة ضد إيران بصفتها شريكة للولايات المتحدة، فإن مكانتها تراجعت قليلاً خلال الطريق. فترامب يتخذ القرارات الآن بمفرده؛ وفي تصريحاته الأخيرة لم يأتِ إطلاقاً على ذِكر الموقف الإسرائيلي، بينما يفضّل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، حسبما هو معروف، استئناف الحرب.
بأوامر من نتنياهو، اغتال الجيش الإسرائيلي قائد قوة الرضوان التابعة لحزب الله في بيروت، والساحتان غير منفصلتين عن بعضهما: فما زالت إسرائيل قادرة على تعقيد الوضع في الخليج، ويتوقف ذلك على مقدار حرية الحركة التي سيسمح بها ترامب لنتنياهو في لبنان.
عندما تعثرت المفاوضات مع الإيرانيين، أفادت تقارير بأن دونالد ترامب درس خيارات أكثر عدوانيةً من بين الخطط التي أعدّها الجنرالات الأميركيون، مثل قصف البنية التحتية الوطنية في إيران، أو حتى تنفيذ عملية برية رمزية، لكنه اختار في نهاية المطاف خياراً أكثر محدوديةً، تمثّل في العملية الهادفة إلى كسر الحصار في مضيق هرمز.
أمّا ردّ الإيرانيين، فجاء محسوباً ومدروساً؛ كان في إمكان طهران أن تقرر إطلاق صواريخ مباشرة نحو السفن الأميركية، أو مهاجمة إسرائيل، وهما خطوتان كان من المرجّح جداً أن تؤدّيا إلى اندلاع الحرب على نطاق واسع من جديد، لكنها اكتفت بإطلاق صواريخ وإرسال طائرات هجومية مسيّرة نحو الإمارات العربية المتحدة، وهي خطوة تثير قلق الإماراتيين بشدة، لكنها لا تؤدي بالضرورة إلى حرب شاملة.
بعد أقلّ من يومين، أعلن الرئيس الأميركي، فجر يوم الأربعاء، أن العملية حققت نتائج فعلاً، وقال إن الإيرانيين أبدوا إشارات إلى استعدادٍ لتقديم تنازلات، مع إظهار مرونة كبيرة في مواقفهم، ويبدو كأن الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها الولايات المتحدة تمارس ضغطاً واضحاً على إيران، إذ يتعرض اقتصادها لاستنزاف كبير للعملات الأجنبية، وخصوصاً مع تضرُّر صادرات النفط بشكل حاد نتيجة العقوبات والخطوات الأميركية.
في المقابل، ترامب أيضاً له مصلحة مباشرة في إنهاء الصراع، في ظل تراجُع ثقة الناخبين وارتفاع أسعار الوقود، فضلاً عن قمة متوترة مرتقبة في منتصف الشهر مع الرئيس الصيني شي جين بينغ.
فيما يتعلق بمضمون الاتفاق المحتمل، إذا تم إقراره، فسيكون عبارة عن وثيقة مبادئ قصيرة (إطار عام)، تليها مفاوضات تمتد 30 يوماً؛ في المرحلة الأولى، يُتوقع الاتفاق على رفع تدريجي ومتبادل للقيود: فتفتح إيران حركة الملاحة في مضيق هرمز، بينما تتراجع الولايات المتحدة عن القيود المفروضة على الممرات في الخليج في جنوب المضيق.
بحسب التسريبات الأميركية، فإن الحل الأساسي المتوقع في المراحل اللاحقة يتعلق بالملف النووي: إذ ستوافق إيران على وقف تخصيب اليورانيوم 15 عاماً، وتسليم، أو إخراج المواد التي تمكّنها من إنتاج ما يصل إلى 11 قنبلة نووية، أي نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%، ويشير ترامب إلى أن الجهة المستهدفة من هذا الترتيب ستكون الولايات المتحدة.
بصورة عامة، هذه التطورات تُعد أخباراً مُطمئنة بالنسبة إلى إسرائيل، إذا ما تم التوصل فعلاً إلى الاتفاقات المطروحة، لكن يبدو كأن الفارق ليس كبيراً بين هذا الاتفاق وبين الاتفاق النووي الذي توصّل إليه الرئيس باراك أوباما في سنة 2015، والذي انسحب منه دونالد ترامب في سنة 2018، بدعمٍ من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
بيْد أن الملف النووي ليس الهدف الوحيد الذي كانت تأمل إسرائيل تحقيقه من خلال الحرب؛ لقد تحدث نتنياهو أيضاً عن ضرب منظومة الصواريخ الباليستية الإيرانية، لكن ترامب أقرّ بشكل غير مباشر هذا الأسبوع بأن هذا الهدف بات ثانوياً، ومن غير المؤكد تحقيقه؛ كذلك كان هناك في البداية تلميحات إسرائيلية بشأن إمكان إسقاط النظام في إيران، إلّا إن الاتفاق الحالي - إن تم - سيُبقي النظام قائماً، بل ربما يضخ عشرات مليارات الدولارات في خزائنه، الأمر الذي يمكن أن يساعده على البقاء والاستمرار.
هناك مسألة مهمة من وجهة النظر الإسرائيلية: كيف سيؤثر أي اتفاق مع إيران في القتال في لبنان. في الأمس، أُصيب ستة جنود من الجيش الإسرائيلي، اثنان منهم بجروح خطِرة، نتيجة انفجارات طائرات مسيّرة ضد القوات الإسرائيلية الموجودة في الجنوب اللبناني، وفي الأسابيع الأخيرة، فرضت الولايات المتحدة قيوداً على حرية العمل الإسرائيلي في لبنان، ومنعت الجيش الإسرائيلي من تنفيذ ضربات في البقاع وبيروت، واقتصرت العمليات على الجنوب. لكن في تطوّر لافت، نفّذت إسرائيل غارة استهدفت قائد قوة الرضوان الجديد في بيروت، بعد مقتل عدد من القادة السابقين لهذه القوة. وسارع نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس إلى إصدار بيان مشترك تباهيا فيه بالعملية. لم تردّ الولايات المتحدة على الأمر، لكن من المرجّح أنهما لم يتصرفا بهذه الطريقة من دون موافقة ضمنية من دونالد ترامب، على الرغم من عدم صدور تعليق رسمي من واشنطن.
على الرغم من كثرة عدد قتلاه، فإن حزب الله يسعى لفرض تغيير جذري في شروط وقف إطلاق النار، بحيث يشمل وقفاً كاملاً للقتال يقيّد أيضاً إسرائيل، بعد أن واصلت الأخيرة عملياتها منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، لكن إذا نجح ترامب في إنهاء الحرب مع إيران، (وكعادته، سيسوّق انجازات أكبر كثيراً مما هي عليه في الواقع)، فإنه سيحتاج أيضاً إلى تهدئة على الساحة اللبنانية. وهنا يبرز السؤال عن مدى قدرة نتنياهو على مواصلة التصعيد في لبنان للتأثير في الترتيبات في الخليج، وإلى أي مدى سيكون ترامب صبوراً حيال ذلك، إذا كان يعتقد أن التوصل إلى اتفاق نهائي بات قريباً.
*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



