دولي وعربي


إسرائيل دولة التمييز

الاثنين 11 أيار 2026 - 0:06

 

تحت عنوان "استبعاد خُمس السكان من صُنع القرار يحوّل البلد إلى دولة قائمة على التمييز ومنبوذة من العالم" كتب الباحث الاستراتيجي بالشأن الفلسطيني، ميخائيل ميلشتاين مقالة في صحيفة "يديعوت أحرونوت".جاء فيها:

ربما تكون الصدمة النفسية التي خلّفتها "مجزرة" السابع من أكتوبر، والمترسخة في الوعي الجمعي الإسرائيلي عميقاً، إلى جانب الضخّ المتواصل للشحنات السياسية الغريزية في كل نقاش عام، وتسطيح الخطابين السياسي والإعلامي في الدولة، هي الأسباب التي جعلت المواقف المتطرفة، التي كانت تميّز أحزاباً تعبّر عن قطاعات معينة ذات رؤى أيديولوجية خاصة، أو مجموعات هامشية، تتحول إلى "معيار طبيعي" تتقبله أكثرية الجمهور بدرجة معينة من التفهّم.

في هذا السياق، برزت تصريحات بتسلئيل سموتريتش الأسبوع الماضي، التي قال فيها إن إشراك حزب منصور عباس ("العدو"، بحسب وصفه) في الائتلاف الحكومي هو خطوة أخطر بما لا يقاس من "مجزرة" 7 أكتوبر نفسها، التي وصفها بأنها "إخفاق تكتيكي". وتعكس هذه التصريحات نمط التفكير السائد في التيار الذي يمثله سموتريتش: الشك، لا بل حتى العداء، حيال مَن هم من غير اليهود - وبشكل خاص العرب، ورفض مبدأ المساواة، حتى عندما يتعلق الأمر بالعرب المواطنين في إسرائيل، الذين وصفهم بأنهم "مواطنون موقتون".

أثارت تصريحات سموتريتش عاصفة سياسية بسبب ما اعتُبر "تقليلاً" من شأن "مجزرة" 7 أكتوبر، إلّا إن اهتماماً أقل ظهر تجاه ما تنطوي عليه من رفضٍ شبه مطلق لمشاركة العرب في صُنع القرار داخل الدولة. وبدا هذا الفتور واضحاً أيضاً في معسكر الوسط، الذي شارك بعض أعضائه في "حكومة التغيير" التي ضمت حزب "راعام". ويبدو كأن بعضهم يعتقد أن التصريح الواضح بدعم الشراكة مع العرب عشية الانتخابات، سينظر إليه الجمهور اليهودي، بعد 7 أكتوبر، بصورة سلبية أكثر من ذي قبل. وبكلمات أُخرى، يفضّلون الانسجام مع المزاج العام القائم، بدلاً من القيام بدور ريادي يطرح خطاباً جديداً ومختلفاً.

إن ذاكرة "السمكة الذهبية" لدى الإسرائيليين تُنسيهم ذلك التقارب السياسي الناشط الذي قام به بنيامين نتنياهو تجاه منصور عباس، الخطوة التي أحبطها بتسلئيل سموتريتش؛ وبدلاً من ذلك (وربما بهدف التغطية على "أخطاء الماضي")، تطوّر خطاب "رسمي" حاد يصوّر حزب "راعام" كجزء من مؤامرة الإخوان المسلمين، بينما يُقدَّم عباس كشخص يمارس "التقية" (أي الإخفاء، أو إظهار غير ما يُبطن، وهو مفهوم يُستخدم أساساً في السياق الشيعي).

يشمل هذا النسيان أيضاً تجاهل الهدوء الذي ساد المجتمع العربي داخل إسرائيل بعد 7 أكتوبر، وهو ما أثار إحباطاً عميقاً لدى يحيى السنوار الذي خطط لإشعال الجبهة الداخلية في إسرائيل؛ كذلك يتم تجاهل التصريحات المتكررة لعباس خلال الأعوام الأخيرة، والتي أكد فيها اعترافه بإسرائيل كدولة يهودية، ورفضه الوقوف على الحياد، الموقف الذي تتبناه الأحزاب العربية الأُخرى؛ ويشدد عباس على هذه المواقف بالعبرية والعربية معاً، وهو ما جعله عرضةً لانتقادات شديدة داخل المجتمع العربي، وكذلك من جهات فلسطينية عديدة.

إن الموقف من مشاركة العرب في أي ائتلاف حكومي مستقبلي يجب أن يكون معياراً لقياس حال المجتمع الإسرائيلي بأكمله، وله وزن مركزي في تحديد صورة الدولة في المستقبل. ويُطلب من الجمهور القيام بما لم يحدث عشية السابع من أكتوبر: أي التشكيك في "المسلّمات" التي تُروَّج من الأعلى، تحت غطاء ما يسمى "دروس السابع من أكتوبر"، والتي يراها الكاتب أنها في حقيقتها حملة لنزع الشرعية، ناتجة من مزيج ضار بين دوافع سياسية انتهازية وبين التزامات أيديولوجية لفئة معينة لا تمثل عموم الجمهور اليهودي.

يجب على الجمهور مطالبة جميع الأحزاب بتقديم ما أصبح يُعد ترفاً في إسرائيل: برنامج أيديولوجي واضح، بدلاً من الغموض والحذر الشديدَين المتّبعَين، وخصوصاً فيما يتعلق بالعلاقة بالمجتمع العربي. ويجب التشديد على أن الطريق إلى كسب ثقة الناخبين لا تمرّ عبر التنازلات الفكرية، أو التبسيط المفرط، بل عبر مواقف واضحة، وشجاعة سياسية، وقدرة على طرح مشروع تغيير جذري، مقارنةً بالواقع القائم. وذلك على أمل أن الخدعة المتكررة المتمثلة في طرح مواقف معينة قبل الانتخابات ثم فعل عكسها بعدها، ثبُت أنها مدمّرة للنقاش الداخلي في الدولة.

في المقابل، وخلافاً لمحاولات المحو والنسيان، يجب التذكير بأن جميع "الدروس المستخلصة"، وعلى رأسها تبنّي موقف متشكك إزاء العرب، لم تأتِ نتيجة تحقيق مهني دقيق، أو تحليل استراتيجي عميق، بل هي محاولة لإعادة تشكيل الوعي العام، يقودها أشخاص شاركوا في صُنع مفهوم السابع من أكتوبر، ولم يتحملوا مسؤوليته، ويحاولون الآن تقديم أنفسهم كمبشّرين بـ" تصحيحٍ رصين" يقوم في جوهره على فكرة أن استخدام القوة هو الوسيلة الأساسية، بل الوحيدة، للتعامل مع الواقع الإقليمي.

إن التعبير العملي عن هذه الرؤية يظهر اليوم في تصاعُد العنف الشديد وغير المنضبط في الضفة الغربية، والذي يمتد إلى ساحات أُخرى، مثل الاعتداء على الرموز الدينية المسيحية في لبنان، وربما يمتد أيضاً إلى فضاء العيش المشترك بين اليهود والعرب داخل الخط الأخضر. ويصبح الانفجار مسألة وقت فقط في مجتمع يتفكك، حيث ترتفع معدلات الجريمة والعنف بشكل حاد (من دون استجابة حكومية فعالة)، وتضعف القيادات، ويزداد الشعور بالاغتراب والغضب، في وقت تتعزز رغبات الاندماج، وخصوصاً لدى جيل الشباب.

في مواجهة هذا السيناريو، يبرز مشروع الاندماج الذي يدفع به منصور عباس وحزبه خلال الأعوام الأخيرة. هذا المشروع ليس مثالياً وهو مليء بالثغرات، ولن يمحو فوراً تراكمات تاريخية طويلة من التوتر، لكنه يبقى الخيار الأقل سوءاً، مقارنةً بخطر الانفجار الداخلي.

قبل كل شيء، يُطرح السؤال: أي نوع من الدول يمكن أن ينشأ إذا تم استبعاد نحو خُمس السكان من المشاركة في اللعبة السياسية والحياة العامة، في وقت تستمر السيطرة على نحو ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية من دون منحهم المواطَنة، وهي منطقة "تندمج فعلياً" داخل الواقع الإسرائيلي، حتى من دون ضمّ رسمي؟

الجواب هو أن النتيجة ربما تكون دولة ذات طابع "بلقاني"، تقوم على صراعات عنيفة بين المجموعات السكانية المختلفة، وعلى التمييز البنيوي، والمرفوضة من طرف دول الجوار (وهو تحذير لمن يعتقد أنه يمكن الجمع بين التطبيع الإقليمي وضمّ الأراضي)، كما ستصبح دولة منبوذة في نظر المجتمع الدولي.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة