الجمعه 29 آب 2025 - 0:06
تطرق الكاتب الإسرائيلي عميت يغور في مقال نشرته صحيفة "معاريف"إلى ان لبنان وسوريا أمام فرصة جديدة. وجاء في المقال:
"من المفاجئ أن عدداً كبيراً من العناوين الإعلامية في الأيام الأخيرة لا يتناول قطاع غزة، وما يُطرح على "طاولة التحليلات" سورية ولبنان، مع احتمال حقيقي لقيام نظام إقليمي جديد.
إلى أي مدى سيكون هذا النظام جديداً؟ تقول كلمات نعيم قاسم، نائب الأمين العام لحزب الله (25/8/2025)، كلّ شيء:
اتخذت حكومة لبنان قراراً خاطئاً بشأن نزع سلاح المقاومة، في ظل عدوان إسرائيلي ونية لتوسيعه. لقد جاء القرار بإملاءات أميركية – إسرائيلية. إذا استمرت الحكومة في ذلك، فهي لا تمثل السيادة اللبنانية، إلّا إذا تراجعت عن قرارها".
إن حزب الله الذي كان يشكل دولة في داخل الدولة في النظام القديم، لطالما حرص على تصوير نفسه أنه المُدافع عن لبنان والداعم لحكومته المنتخبة. أمّا الآن، ولأول مرة، فهو يهدد سيادة الحكومة اللبنانية نفسها بشكل صريح.
من بين التطورات الأخيرة التي قد تُرسي واقعاً جديداً، على الأقل نظرياً: قرار الحكومة اللبنانية تجريد حزب الله من سلاحه؛ جولات المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس بين بيروت والقدس ودمشق، ومعها السفير الأميركي في تركيا والمبعوث إلى سورية توم برّاك؛ ترقُّب خطاب الرئيس السوري في الجمعية العامة للأمم المتحدة في الشهر المقبل، وتقارير تتحدث عن قُرب توقيع مذكرة تفاهُم أمني بين سورية وإسرائيل؛ بيان إسرائيلي يُثني على قرار الحكومة اللبنانية، ويُبدي استعداداً للانسحاب، بشرط نزع سلاح حزب الله.
لا شك في أن هناك فرصة كبيرة لوقف الأعمال العدائية بين إسرائيل واثنين من أكبر أعدائها، الأمر الذي يفتح الباب أمام بداية نظام إقليمي جديد: مع لبنان، الذي ليس لديه خلافات جوهرية مع إسرائيل على مستوى الدولة بشأن قضايا الأراضي والرؤية الإقليمية؛ ومع سورية، التي سيكون موقعها الجغرافي حاسماً في أي نظام إقليمي مستقبلي .إذا جرت إدارة العملية بشكل صحيح، قد يكون هناك مجال لتوسيع اتفاقيات أبراهام لتشمل لبنان، لكن حتى الآن، يبقى هذا كله "على الورق" فقط، وكنوع من التفكير القائم على الأمنيات (Wishful Thinking)، وفي المقابل، يجب أن نعرض النهج الآخر الخطِر.
وفقاً لهذا النهج، هناك محاولة يائسة من حكومتَي سورية ولبنان لكسب رضا الولايات المتحدة وإدارة ترامب، من أجل اأجل لحصول على شرعية رسمية، ورفع القيود والعقوبات، والانطلاق في إعادة إعمار اقتصادية ضخمة يحتاج إليها البلدان بشدة. ضمن هذا النهج، هناك عدد من القضايا يمرّ عبر إسرائيل، لذلك، يحتاج البلدان إلى "ختم موافقة" إسرائيلي يبيض صفحتهما بصورة رسمية أمام الأميركيين. وبناءً على ذلك، سيكون كلٌّ من سورية ولبنان على استعداد لتوقيع اتفاقيات موقتة فقط مع إسرائيل يجدانها كافية لهذا الغرض، ويسعيان من خلالها لانتزاع تنازلات من إسرائيل عن أراضٍ، وفي المقابل، تجنُّب توقيع أي اتفاق تطبيع كامل معها، وتأجيل الأمر إلى موعد غير معروف في المستقبل.
إن الغاية الأساسية هي منع حدوث أي سابقة لا يمكن العودة عنها، وتحقيق مكاسب ملموسة (إعمار؛ انسحاب إسرائيلي؛ شرعية دولية، وأميركية بشكل خاص)، وكسب الوقت إلى ما بعد ولاية ترامب، إذ سيسعى لبنان مجبراً، وسورية عمداً، لإعادة الوضع القديم، بعد أن تقدم إسرائيل تنازلات.
أي نهج هو الحقيقي؟
اليوم، من الصعب جداً التقدير أي نهج هو الصائب، بالنسبة إلى سورية ولبنان، وربما تقع الحقيقة في الوسط. فحتى الولايات المتحدة، التي راهنت سابقاً بشكل كامل على نظام الشرع في سورية، وكانت ضمن النهج الأول، بدأت بتغيير موقفها: كشف تقرير قدّمه البنتاغون للكونغرس قبل شهرين أن عناصر من القاعدة يعملون على التأثير في الحكومة السورية الجديدة.
في المقابل، أشار المبعوث الأميركي إلى سورية إلى أنه في أعقاب العنف الطائفي في سورية، فإن الحكومة المركزية قد لا تكون فكرة جيدة، وربما يجب البحث عن صيغة أقرب إلى الفدرالية.
لكن في رأيي، من الصواب استغلال كل فرصة سانحة لبناء نظام إقليمي جديد، بمساعدة الولايات المتحدة التي تدفع أصلاً بهذا الاتجاه، لضمان أسس صحيحة تمنع أيّ رجوع إلى الوراء.
ونظراً إلى المخاطر الكامنة في النهج الثاني التي عرضتُها، على إسرائيل أن تعتمد سياسة حذرة جداً قائمة على الواقع، لا على التصورات، وذلك من خلال فرض ثمن ثابت، لا رجعة عنه، لمشاركة البلدين في الحرب ضدها، يكون بمثابة رسالة ردع للمنطقة. كل مَن يعرف الطرف الآخر قليلاً، يدرك أن الضرر المباشر للحرب لا يُعتبر ثمناً، في نظر البلدين، أمّا ما يحدث بعدها، والذي لا يعتمد على المال، فمن المؤكد أنه سيكون ثمناً لذلك. ضمن هذا السياق، ثمة أهمية خاصة لعنصر الأرض والسيطرة الميدانية: على إسرائيل أن تحتفظ بأصول أمنية تمنحها عمقاً استراتيجياً في أراضي هاتين الدولتين ومساحة عازلة عن مواطني دولة إسرائيل، سواء عبر سيطرة مباشرة للجيش، أو عبر قوى وكيلة...
إن اتفاقيات وقف إطلاق النار في سنة 1974 لم تعد صالحة. لقد وُضعت هذه الاتفاقات مع حكومة مستقرة وراسخة وجيش، وهذا لا ينطبق حالياً هنا. علاوةً على ذلك، حتى لو كان لدى حكومة الشرع جيش، فإنه سيكون جيشاً من الجهاديين لا ترغب إسرائيل في وجوده على حدودها. لذلك، لم تعد خطوط 1974 تشكل مرجعاً لأي اتفاق مستقبلي.
يجب ألّا يقتصر أي اتفاق جديد مع سورية ولبنان على الجانب الأمني – العسكري فقط، بل يتعين علينا انتهاز الفرصة وتقديم لائحة تتضمن مطالب مدنية وإجراءات ضد حزب الله من جهة، وضد "داعش" والجهاديين من جهة أُخرى، مثل وقف التمويل ومصادرة الحسابات المصرفية، ومنع وصولهم إلى المدنيين والتأثير فيهم، عبر برامج اجتماعية، ووقف عمليات التحريض والدعوة وغيرها. أمّا الترتيبات التي تقتصر على المجال الأمني العسكري فقط، فستتلاشى في نهاية المطاف.
إن التطبيع مع إسرائيل وتسوية دولية أوسع تحت مظلة أميركية، من خلال "اتفاقيات أبراهام"، هو أمر حيوي ويجب أن يُذكر رسمياً. سيكون دخول سورية ولبنان ضمن هذه الاتفاقيات عنصراً لا رجعة فيه. وهذا ما يجب أن تسعى له إسرائيل، فأي اتفاق قصير الأجل (إذا تم) يجب أن يضع جدولاً زمنياً واضحاً، حتى لو كان طويل الأجل، للبدء بالانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، قبل انتهاء ولاية ترامب.
من المهم الإشارة إلى أنه بينما نتحدث عن المستقبل، يواجه كلٌّ من حكومتَي لبنان وسورية صعوبات جدّية في تنفيذ التزاماتهما: ففي لبنان، يُنذر خطاب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم الأخير (الوارد في بداية المقال) باحتمالٍ كبير لانفجار حرب أهلية جديدة في لبنان.
في تقديري، هناك احتمال غير ضئيل لتوجيه حزب الله النار عمداً نحو إسرائيل، لتحويل الأنظار الداخلية نحو عدو خارجي والتخفيف من الضغط الشعبي عليه. وهذا السيناريو يخدم أيضاً إيران، التي تواجه في هذه الأيام ضغوطاً كبيرة من فرنسا وبريطانيا وألمانيا في الطريق إلى إعادة تفعيل آلية العقوبات القاسية(Snapback)، القادرة على زعزعة النظام الإيراني.
عندما ننظر إلى الواقع من منظور واقعي ومتوازن، من الواضح لي أن إسرائيل بحاجة إلى توخّي الحذر في التعامل مع سورية ولبنان، على الرغم من الحاجة إلى التوصل معهما إلى وضع لا رجعة عنه، ما دام ترامب رئيساً للولايات المتحدة".
*نقلاً عن مركز الدراسات الفلسطينية
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



