الجمعه 19 حزيران 2026 - 0:05
تحت عنوان "طلبُ ترامب من الشرع التدخل في لبنان يكشف ارتباكاً كبيراً في سياسته" كتبت الباحثة الإسرائيلية كرميت فالنسيمقالة في قناةN12. جاء فيها:
تمثّل تصريحات ترامب، التي أدلى بها على هامش قمة مجموعة السبع (G7) في فرنسا، حتى الآن، أوضح دعوة علنية يوجهها إلى الرئيس السوري أحمد الشرع للتحرك ضد حزب الله. ومع ذلك، فهذه ليست المرة الأولى التي يُطرح فيها هذا الموضوع.
ففي المراحل الأولى من الحرب مع إيران، خلال شهر آذار/مارس، انتشرت تقارير وشائعات بشأن نيةٍ سورية محتملة للتوغل داخل الأراضي اللبنانية بهدف قتال حزب الله، ووفقاً لتقريرٍ نشرته وكالة رويترز في 17 آذار/ مارس، شجعت الولايات المتحدة سورية على دراسة إمكان اتخاذ خطوات ضد حزب الله، بما في ذلك نشر قوات في شرق لبنان، كجزء من جهود أوسع للحد من النفوذ الإيراني؛ كذلك أشار التقرير إلى أن دمشق مترددة بشأن الإقدام على مثل هذه الخطوة، خوفاً من الانجرار إلى صراع إقليمي واسع النطاق، ومن تفاقُم التوترات الداخلية والطائفية؛ وبعد فترة قصيرة على نشر التقرير، صرّح المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية توم برّاك بأن ما ورد في التقرير غير صحيح وغير دقيق.
مفارقة في السياسة الأميركية
تكشف تصريحات ترامب عن مفارقة عميقة في السياسة الأميركية تجاه سورية. فمن جهةٍ، تبذل واشنطن جهوداً كبيرة لدعم النظام الجديد بقيادة أحمد الشرع وترسيخ استقراره، ومن جهة أُخرى، تتوقع منه الدخول في مواجهة عسكرية يمكن أن تهدد كل ما حققه حتى الآن، بل ربما تعرّض مشروعه السياسي بأكمله للخطر.
من هنا يبرز التساؤل: هل يعود هذا الطلب إلى سوء فهمٍ للواقع السوري، ولتعقيدات الشرق الأوسط؟ أم أنه محاولة لتوجيه رسالة، أو ممارسة ضغط على إسرائيل ورئيس وزرائها، الذي ربما يرى ترامب أنه لا يتعامل مع حزب الله كما يجب؟
خلال العام الماضي، عملت الولايات المتحدة بصورة غير مسبوقة على مساعدة الشرع على تثبيت حكمه وإخراج سورية من عزلتها الدولية. لقد سعت إلى إزالة العقوبات ومنح الشرعية السياسية وتشجيع الاستثمارات الأجنبية لتحقيق هدف رئيسي واحد: استقرار النظام الجديد.
لهذا السبب تحديداً، تبدو المطالبة بفتح جبهة عسكرية في لبنان أمراً غريباً، فمثل هذه الخطوة يمكن أن يُربك أولويات النظام السوري، ويستنزف موارده الحيوية، ويعرّض عملية إعادة الإعمار للخطر.
لذلك، لم يكن مستغرباً أن تسارع القيادة السورية، في آذار/مارس، إلى نفي أي نية بشأن القيام بمثل هذا التحرك. وخلال لقاءاته قادة المنطقة، أوضح الشرع أن تعزيز القوات السورية يهدف إلى أغراض دفاعية فقط؛ كذلك أكد للرئيس اللبناني دعم سورية الكامل لاستقرار لبنان وأمنه، ولجهود الحكومة اللبنانية الرامية إلى بسط سيادتها ونزع سلاح حزب الله.
المخاطر بالنسبة إلى سورية
في نظر الشرع، يمثل هذا الخيار خطوة معقدة ومحفوفة بالمخاطر؛ فالجيش السوري لا يزال في مرحلة إعادة البناء، وقدراته محدودة، ويواجه تحديات أمنية وعرقية وداخلية كبيرة. ولهذه الأسباب، فإن أي مواجهة مع حزب الله يمكن أن تؤدي إلى غرق سورية في المستنقع اللبناني فترةً طويلة، وهو ما يتيح تفاقُم التهديدات الداخلية، إلى حدّ تهديد استقرار النظام نفسه.
بعبارةٍ أخرى، يطلب ترامب من الشرع أن يفعل بالضبط ما يحاول النظام السوري الجديد تجنُّبه منذ وصوله إلى السلطة: الانجرار إلى حرب إقليمية، بينما لا يزال يسعى لترسيخ سيطرته داخل حدوده.
المخاطر على لبنان
أمّا بالنسبة إلى لبنان، فإن خطوةً كهذه ربما تهدد العلاقات التي بدأت بالتحسن بين البلدين بالتدريج، وبصورة خاصة مستوى الثقة الذي بدأ بالتشكل من جديد؛ فاللبنانيون لا يرغبون في عودة سورية إلى التدخل في شؤونهم الداخلية، كما أن فكرة أي تدخّل عسكري سوري داخل لبنان تستحضر ذكريات مؤلمة من فترة الوجود العسكري السوري في لبنان في الفترة 1976-2005، والتي ارتبطت بالعنف والقمع والصراعات الدموية.
علاوةً على ذلك، لا يمكن تجاهُل أهمية الموقف التركي المعارض لأي انخراط سوري في لبنان، وهو عامل ربما يؤثر في حسابات الشرع الذي لا يستطيع تحمُّل الظهور كأنه ينفّذ أجندة إسرائيلية، وهي رواية بدأت تنتشر فعلاً في وسائل التواصل الاجتماعي داخل سورية مع بداية الحرب ضد إيران.
الموقف الإسرائيلي
حتى الآن، لم يصدر موقف إسرائيلي رسمي بشأن المقترح الأميركي. ومع ذلك، وبالنظر إلى السياسة الإسرائيلية حيال سورية، والتي تجمع بين الاعتماد على القوة العسكرية والانفتاح الدبلوماسي الحذِر، يمكن الافتراض بوجود اتجاهين في التفكير الإسرائيلي:
من جهةٍ، ربما يرى البعض في الأمر فرصة استراتيجية، لأن دخول سورية في مواجهة مع حزب الله وفتح جبهة إضافية ضده يمكن أن يخفف العبء العسكري عن إسرائيل ويساهم في إضعاف الحزب، وهو الهدف الذي تسعى إسرائيل لتحقيقه منذ أعوام؛ كذلك ربما يُعتبر ذلك اختباراً لجدية الشرع وتمكُّنه من إثبات نفسه كشريك ذي قيمة للمنطقة، ولإسرائيل.
من جهةٍ أخرى، لا تزال المؤسسة الإسرائيلية تنظر إلى الشرع بعين الريبة بسبب خلفيته الجهادية السابقة، وبسبب آثار صدمة أحداث هجوم 7 أكتوبر؛ لذلك، يمكن أن يُعتبر مثل هذه الخطوة مؤشراً إلى طموحات عسكرية مستقبلية، وربما نيات هجومية تجاه إسرائيل نفسها، وأصحاب هذا الرأي يجادلون في أن إسرائيل تفضّل التعامل مع "الشيطان المعروف" (في إشارةٍ إلى الخصم الشيعي) على مواجهة عدوٍّ جهادي جديد وغير معروف.
الخلاصة
في نهاية المطاف، لا يكمن السؤال فقط فيما إذا كان أحمد الشرع مستعداً لمحاربة حزب الله، بل فيما إذا كانت الولايات المتحدة ترغب فعلاً في أن يفعل ذلك. فإذا كان هدف واشنطن تثبيت الاستقرار في سورية وترسيخ نظام براغماتي في دمشق، فمن الصعب الفهم كيف يمكن لفتح جبهة جديدة في لبنان خدمة هذا الهدف.
يمكن أن تكون تصريحات ترامب مجرد وسيلة للضغط على إسرائيل، أو لتوجيه رسالة إلى حزب الله، لكن إذا تحولت هذه التصريحات إلى سياسة عملية، فربما تؤدي إلى تحويل إحدى قصص النجاح النسبية للولايات المتحدة في المنطقة إلى مصدر جديد للمخاطر الاستراتيجية.
*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



