دولي وعربي


إسرائيل: مفترق طرق استراتيجي

الثلاثاء 16 حزيران 2026 - 0:04

تحت عنوان: "مفترق طرق استراتيجي" كتب القائد السابق للقيادة الشمالية في الجيش الإسرائيلي آشر بن لولو مقالة في صحيفة  يديعوت أحرونوت". جاء فيها:

لن يكون من المبالغة قول إن الوضع الأمني في الشمال يضع إسرائيل اليوم أمام مفترق طرق استراتيجي، وربما الأكثر أهمية منذ أن أغلق الجيش الإسرائيلي بوابات الحدود مع لبنان سنة 2000، على أمل قيام واقع أمني مختلف وأكثر هدوءاً وأماناً.

إن الاتفاق الجاري بلورته بين الولايات المتحدة وإيران، ووقف إطلاق النار المتوقَع في لبنان عقبه، قد يضعان إسرائيل أمام واقع جديد، وقد يشكلان بداية مرحلة جديدة تُضطر فيها إسرائيل إلى اتخاذ قرارات استراتيجية في ظل قيود كبيرة على حرية عملها، بينما لا يزال جنود الجيش الإسرائيلي منتشرين في عمق الأراضي اللبنانية.

هنا يَبْرُزُ السؤال الأهم: بعد أكثر من عامين ونصف العام من الحرب التي دفع خلالها سكان الشمال ثمناً باهظاً، وفي الوقت نفسه نجح الجيش الإسرائيلي في إبعاد حزب الله عن خط الحدود وإيصاله إلى أضعف نقطة مر بها منذ تأسيسه، هل نحن أمام تغيير استراتيجي تاريخي على الحدود اللبنانية، أم مجرد محطة أُخرى في الطريق إلى الجولة القادمة من الصراع؟

تقف إسرائيل اليوم أمام سيناريوهين رئيسيَين:

- السيناريو المتفائل هو ألاّ تنسحب إسرائيل من جنوب لبنان، وأن تحافظ على حرية عمل كاملة، بالتوازي مع التوصل إلى تسوية سياسية مع لبنان يتم بموجبها إبعاد حزب الله عن جنوب البلد، وإضعاف النفوذ الإيراني في لبنان، وانتشار الجيش اللبناني في المنطقة. وأي انسحاب إسرائيلي سيكون متدرجاً ومشروطاً بنزع السلاح الكامل من جنوب لبنان.

- أمَّا السيناريو المتشائم، فهو مألوف جداً: أن يُعلَن وقف إطلاق النار، وتنسحب إسرائيل سريعاً من الأراضي التي سيطرت عليها، وتُنقل المسؤولية شكلياً إلى الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل، بينما تعود الأوضاع بالتدريج إلى ما كانت عليه، وتستأنف إيران ضخ الموارد، ويتمكن حزب الله من إعادة بناء قوته.

اتجاه مقلق

في هذه الأيام، يبدو الاتجاه الناشئ مقلقاً؛ فإيران وحزب الله ينجحان في ربط الساحة الإيرانية بالساحة اللبنانية، بينما تواجه إسرائيل قيوداً متزايدة على حرية عملها، ولا تبدو الدولة اللبنانية قادرة على منع إعادة إحياء المحور الشيعي. والفشل هنا لا يعني فقط تعاظم قوة حزب الله من جديد، بل يعني أيضاً احتمال إعادة بناء المنظومة نفسها على طول الحدود، والتي انطلقت منها خطط السيطرة على الجليل. وقد تقع إسرائيل مرة أُخرى في العمى الاستراتيجي ذاته، الذي تم فيه شراء الهدوء على الحدود بثمن يتمثل في نشوء تهديدات غير مسبوقة لسكان الدولة.

وإلى جانب النقاش بشأن التسويات والانسحابات والمناطق العازلة، من المهم تحديد الهدف الاستراتيجي البعيد المدى لإسرائيل، وهو هدف يجب أن يكون واضحاً: تفكيك الجناح العسكري لحزب الله. ومع ذلك، ينبغي التحلي بالواقعية، فالسؤال المركزي هو ما إذا كانت إسرائيل تتقدم نحو هذا الهدف بصورة ثابتة أم لا. ويجب تقييم أي تسوية وفق سؤال واحد فقط: هل هذه التسوية تقرّب من تفكيك حزب الله، أم تسمح له بإعادة بناء قوته؟

المبادئ الستة

على المستوى الاستراتيجي والأمني في الشمال، ينبغي لإسرائيل التزام عدة مبادئ:

1- عدم التسرع في الانسحاب من الأراضي التي تمت السيطرة عليها، بل يجب أن يكون أي انسحاب متدرجاً ومشروطاً بفاعلية الجيش اللبناني، وعدم عودة حزب الله إلى ترسيخ وجوده في المنطقة. وحتى ذلك الحين، ينبغي عدم السماح بإعادة إعمار القرى أو عودة السكان إلى جنوب لبنان، فالأرض تمثل أداة الضغط الأهم على حزب الله.

2- الحفاظ على حرية النشاط العملياتي للجيش الإسرائيلي في جميع أنحاء لبنان، بما في ذلك بيروت، سواء لمواجهة محاولات إعادة بناء قدرات حزب الله، أو لحماية الجنود العاملين في لبنان.

 -3مواصلة الجهود لإضعاف المحور بين إيران وحزب الله، فلا يجوز السماح بإحياء رؤية خامنئي ونصر الله والسنوار القائمة على محور شيعي يشكّل "حزام نار" حول إسرائيل.

4- الاستمرار في الاتصالات السياسية مع الحكومة اللبنانية والقوى المعتدلة في البلد بهدف التوصل إلى تسوية مستقرة وطويلة الأمد.

5- عدم العودة إلى مفهوم الدفاع الحدودي الذي تطور على مر السنين، والقائم على اعتبار الأسوار والجدران والعوائق خط الدفاع الرئيسي، بل يجب أن يكون جنود الجيش الإسرائيلي هم الحاجز الفعلي بين التهديد وسكان الشمال.

6- استثمار الإنجاز العسكري لتحقيق تغيير استراتيجي طويل الأمد، وليس مجرد هدوء موقت.

لقد أوجدت الحملة العسكرية فرصة نادرة؛ فبعد أكثر من عامين ونصف العام من القتال، نجح الجيش الإسرائيلي في إلحاق ضرر كبير بقدرات حزب الله، وإبعاده عن الحدود، وتقويض مكانته داخل لبنان.

يبقى السؤال: ماذا ستفعل إسرائيل بهذه الإنجازات؟

إن إعادة الهدوء والأمن والحياة الطبيعية إلى سكان الشمال هدف حيوي، لكن سيكون من الخطأ الفادح العودة، بدافع الرغبة في تحقيق هدوء سريع، إلى الواقع الذي سمح أصلاً ببناء تهديد بهذا الحجم وراء الحدود. فالهدوء هدف مهم، لكن ليس على حساب تهيئة الأوضاع لهجوم "إرهابي" جديد أو محاولة أُخرى لتنفيذ خطة السيطرة على الجليل.

إذا سارعت إسرائيل إلى الانسحاب، وسمحت بإعادة الإعمار، واعتمدت على آليات أثبتت فشلها سابقاً، وجعلت إعادة الهدوء هدفها الرئيسي، فقد تجد نفسها بعد أعوام قليلة أمام المشكلة نفسها. أمَّا إذا تصرفت بصبر وحزم ورؤية بعيدة المدى، مع دمج الجهدين العسكري والسياسي، فقد تتمكن للمرة الأولى منذ عقود من إرساء أسس تغيير جذري في الواقع الأمني على الحدود الشمالية.

*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة