الخميس 11 حزيران 2026 - 0:11
تحت عنوان: "ثمن الحرب في لبنان: تصدعات في التأييد الشيعي لحزب الله"، نشرت مؤسسة الدراسات الفلسطينية تقريراً من إعداد الكاتبين الإسرائيليين أورنا مزراحي وموران لفنوني من "معهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب" تضمن الآتي:
تُعتبر الطائفة الشيعية، التي تُعد اليوم الأكبر في لبنان، الشريحة الأكثر تماسكاً في دعمها لأيديولوجيا "المقاومة" التي يقودها التنظيمان الشيعيان: حزب الله وحركة "أمل". ويختلف ذلك عن الانقسامات والصراعات الداخلية المعروفة بين الطوائف الأُخرى في لبنان، كالمسيحيين والسنَّة والدروز.
وبين التنظيمين، يحظى حزب الله بالمكانة الأبرز والأكثر أهمية لدى الشيعة، مقارنةً بحركة "أمل" التي تتبنى نهجاً سياسياً أكثر براغماتية، ولا تبادر إلى القتال ضد إسرائيل. ولا يعود ذلك فقط إلى التماهي الديني والأيديولوجي معه، بل أيضاً إلى قوته العسكرية والسياسية والاقتصادية، وإلى شبكة الخدمات الواسعة التي يقدمها ضمن ما يُوصف بـ "الدولة داخل الدولة" التي نجح في ترسيخها في لبنان على مدى أعوام.
يضمن اعتماد جزء كبير من الشيعة على الدعم الاقتصادي والاجتماعي الذي يوفره حزب الله استمرار ولائهم له إلى حدّ بعيد. كما يعزز هذا الولاء وجود مخاوف من عواقب إظهار عدم الولاء... كذلك الأمر، ينسجم الالتفاف حول القيادة مع تقاليد تاريخية لدى الشيعة، بصفتهم أقلية عانت جرّاء الاضطهاد في مراحل متعددة، الأمر الذي عزز ثقافة التكاتف الداخلي وعدم إظهار الخلافات إلى العلن. ونتيجة لذلك، لم يكن هناك حتى وقت قريب مجال واسع داخل البيئة الشيعية لنقاش علني أو لنشوء معارضة مؤثرة تتحدى قيادة حزب الله وقراراتها.
مع ذلك، يبدو للوهلة الأولى أن الدعم الواسع لحزب الله داخل المجتمع الشيعي لا يزال قائماً، وهو ما عكسته نتائج استطلاع للرأي أجرته شركة الأبحاث والاستشارات اللبنانية ومقرها بيروت. وقد شمل الاستطلاع نحو ألفَي مشارك من مختلف الطوائف، ونُشرت نتائجه في أواخر أيار/مايو 2026 عبر "قناة الجديد" ووسائل إعلام لبنانية أُخرى.
بحسب نتائج الاستطلاع، فإن 87.5% من المشاركين الشيعة يعارضون نزع سلاح حزب الله، بينما يؤيد 7.9% فقط تسليم السلاح، بينما بلغت نسبة المؤيدين لذلك بين جميع المشاركين من مختلف الطوائف 58.2%. أمَّا فيما يتعلق بإسرائيل وإمكانية تغيير طبيعة العلاقة معها، فقد أجاب أكثر من 90% من المستطلعين الشيعة بأنهم يعارضون إقامة أي علاقة معها. وتُظهر هذه النتائج استمرار التأييد الواسع لحزب الله ومواقفه داخل الشارع الشيعي، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن وجود أقلية شيعية، وإن كانت محدودة، تتبنى مواقف مختلفة عن الموقف السائد.
في الواقع، ومع استمرار الحرب الحالية بين إسرائيل وحزب الله، التي اندلعت بمبادرة من الحزب خدمةً للمصالح الإيرانية، تتزايد المؤشرات على وجود تصدعات في مستوى الدعم الذي يحظى به حزب الله داخل البيئة الشيعية، التي تتحمل العبء الأكبر من التداعيات القاسية للحرب. فقد اضطر عدد كبير من أبناء هذه الطائفة إلى مغادرة منازلهم، وتحولوا إلى نازحين يعتمدون على المساعدات لتأمين السكن البديل ومتطلبات الحياة اليومية. ووفقاً لبيانات وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية، فقد سُجل نحو مليون نازح، مع توقعات بارتفاع العدد إذا اتسعت العمليات العسكرية داخل الأراضي اللبنانية. ويُقيم نحو 15% من هؤلاء النازحين في مراكز إيواء وفرتها الدولة اللبنانية وسط أوضاع اكتظاظ صعبة، بينما اضطر الآخرون بمعظمهم إلى البحث عن حلول بديلة. كما أن مئات الآلاف ممن لم يجدوا مأوى مناسباً يعيشون في أوضاع موقتة، داخل مبانٍ غير مكتملة، أو خيام، أو أماكن عامة، وعلى جوانب الطرق.
بسبب الصعوبات المالية التي يواجهها حزب الله خلال الأعوام الأخيرة، أصبح أقل قدرة على تقديم الدعم إلى هذه الفئات... كما أن الدولة اللبنانية، التي تعاني منذ أعوام جرّاء أزمة اقتصادية حادة تفاقمت مع استمرار الحرب، تجد صعوبة كبيرة في تلبية حاجات النازحين. وإلى جانب ذلك، تفيد وكالات الأمم المتحدة بأن حجم التمويل الدولي المخصص للمساعدات الإنسانية لا يزال أقل كثيراً من الحاجات الفعلية، الأمر الذي يحدّ من القدرة على توفير الدعم المستمر للمتضررين.
من المؤشرات التي يُستدل بها على تآكل التأييد الشيعي لحزب الله، تبرز النقاط التالية:
1- تصاعد الانتقادات لحزب الله على وسائل التواصل الاجتماعي.
أصبحت الانتقادات الصادرة عن شخصيات ومستخدمين شيعة على شبكات التواصل أكثر شيوعاً منذ اندلاع الحرب، ويصفها بعض المنتقدين بأنها "حرب دعم لإيران"، ويرى هؤلاء أن الحرب أدت إلى تهجير واسع لسكان الجنوب وإلى معاناة اقتصادية واجتماعية كبيرة.
يعبّر كثير من الناشطين عن غضبهم من فقدان مصادر رزقهم أو اضطرارهم إلى العيش في أوضاع قاسية بعد نزوحهم من مناطقهم. وفي المقابل، يرى مؤيدو حزب الله أن هذه الأصوات لا تعكس بالضرورة تحولاً أيديولوجياً أو سياسياً واسعاً داخل المجتمع الشيعي، إنما تمثل فئة محدودة من الناشطين. إلاَّ إن اتساع نطاق هذه الانتقادات واستمرارها مع طول أمد الحرب يجعلانها ظاهرة لافتة.
2- تنامي الحركات الشيعية المعارضة
برزت خلال السنوات الأخيرة مجموعات شيعية شبابية تحاول تحدي الاحتكار السياسي التقليدي الذي يمارسه كل من حزب الله وحركة "أمل" داخل الطائفة الشيعية. وعلى الرغم من أن هذه الحركات لا تزال محدودة التأثير، فإنها أصبحت أكثر جرأة في انتقاد حزب الله علناً وتحميله مسؤولية الأضرار التي لحقت بلبنان. وتعود بدايات هذا المسار إلى ما قبل الانتخابات النيابية اللبنانية سنة 2022، مع ظهور دعوات إلى تمثيل سياسي شيعي خارج الإطار التقليدي للحزبين.
من هذه الحركات مبادرات كـ "تحرّر"، و"تيار التغيير في الجنوب"، بالإضافة إلى مجموعات ظهرت لاحقاً كـ"نحو الإنقاذ"، و"شيعة ضد الحرب"، و"لا للاحتلال الإيراني". ويركز خطاب هذه المجموعات على رفض جرّ لبنان إلى صراعات إقليمية، والدعوة إلى تعزيز السيادة اللبنانية وتقليص النفوذ الخارجي.
3- مواقف معارِضة من بعض زعماء العشائر الشيعية في البقاع
بعد دخول حزب الله الحرب، صدر بيان عن مجلس العشائر الشيعية في منطقتَي البقاع والهرمل، وهما من أبرز معاقل الحزب، أكد أن الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية يجب أن تكون المرجعية الوحيدة في البلد، وأن الولاء ينبغي أن يكون للدولة اللبنانية وحدها، من دون تبعية لأي جهة مسلحة أو قوة خارجية. وعلى الرغم من أن البيان لم يطالب صراحةً بنزع سلاح حزب الله، فإنه أبدى دعماً لسياسات جوزاف عون ونواف سلام الداعية إلى حصر السلاح في يد المؤسسات الرسمية، وهو ما اعتبره بعض المراقبين مؤشراً غير مسبوق على وجود تباينات داخل البيئة المؤيدة للحزب.
4- ضعف المشاركة في فعاليات دعا إليها حزب الله
يشير بعض المراقبين إلى أن المشاركة المحدودة في عدد من التظاهرات التي دعا إليها حزب الله خلال سنة 2026 قد تعكس حالة من الإرهاق الشعبي داخل جزء من جمهوره؛ ففي مناسبات دعا خلالها الحزب إلى حشد جماهيري واسع، كانت أعداد المشاركين أقل مما كان متوقعاً مقارنةً بحجم القاعدة الشعبية الشيعية في المناطق المستهدَفة. ويُفسَّر ذلك من جانب منتقدي الحزب بعاملَين رئيسيَين: التعب من الحرب وتكاليفها، ووجود تحفظات متزايدة لدى بعض الشيعة تجاه النفوذ الإيراني في لبنان.
5- الدعوات إلى جعل صور والنبطية مناطق خالية من السلاح
بعد تصاعد العمليات العسكرية في جنوب لبنان، دعا عدد من الشخصيات الشيعية في مدينتَي صور والنبطية إلى إعلان المدينتين منطقتين خاليتين من السلاح. ووفقاً لأصحاب هذه المبادرة، فإن الهدف هو تجنيب المدينتين أخطار المواجهات العسكرية ومنع تحويلهما إلى ساحات قتال. ويرى مؤيدو هذه الدعوات أنها تعكس استياءً لدى بعض السكان من الأثمان البشرية والمادية التي يدفعونها بسبب استمرار الصراع، بينما يعتبرها مؤيدو حزب الله محاولة للنيل من دور "المقاومة" في مواجهة إسرائيل.
يَجْدُرُ التنويه إلى أن هذه المؤشرات، حتى لو كانت تعكس وجود انتقادات أو تململ داخل بعض الأوساط الشيعية، فهي لا تعني بالضرورة حدوث تحوُل جذري في المزاج العام للطائفة، أو انهيار التأييد الشعبي لحزب الله؛ فقياس حجم هذا التغير بدقة يتطلب بيانات ميدانية واستطلاعات موثوقة ومتكررة، وخصوصاً أن الحزب لا يزال يحتفظ بقاعدة اجتماعية وسياسية واسعة في العديد من المناطق الشيعية في لبنان.
في الخلاصة، ومع استمرار الحرب بين إسرائيل وحزب الله، تتسع دائرة الانتقادات الموجهة إلى الحزب حتى داخل البيئة الشيعية في لبنان، مع تزايد المؤشرات على تآكل مستوى التأييد له. ويُعزى ذلك بصورة خاصة إلى ما يُنظر إليه ككشفٍ متزايد لعمق الارتباط بين حزب الله وإيران في سياق الحرب، وإلى شعور قطاعات من المجتمع الشيعي بأنها تتحمل التكلفة الإنسانية والاقتصادية الثقيلة لصراع يخدم مصالح إيرانية، من دون أن يحقق بالضرورة ما يُطرح كالتزام بحماية لبنان.
مع ذلك، ما زال معظم الشيعة في لبنان يدعمون حزب الله، لكن هذه "التصدعات" في الدعم - التي تمس أحد أهم مصادر قوته - تزيد من الضغوط التي يواجهها الحزب، وخصوصاً في ظل وضعه المعقد الذي يتضمن مواجهة عسكرية مستمرة مع إسرائيل، وضغوطاً اقتصادية متصاعدة، ومعارضة من أطراف لبنانية داخلية متعددة، وضغوطاً سياسية من القيادة اللبنانية الساعية لتقليص نفوذه وحصر السلاح في يد الدولة، وإعادة ضبط العلاقة مع إيران.
هذا الوضع ينشئ، نظرياً، فرصة أمام الدولة اللبنانية لتوسيع دورها في رعاية المجتمع الشيعي بدلاً من حزب الله. لكن تحقيق ذلك لا يزال بعيداً، إذ يتطلب شروطاً كبيرة، بينها إضعاف حزب الله عسكرياً واقتصادياً بصورة إضافية، وتعزيز حضور الجيش اللبناني كقوة سيادية في المناطق الشيعية، وتوفير دعم مالي دولي واسع النطاق من الغرب ودول الخليج لإعادة إعمار المناطق المتضررة وتحسين أوضاع السكان.
من دون هذه الشروط، يبقى من الصعب ترجمة أي تراجع نسبي في الدعم الشعبي إلى تحول سياسي جذري داخل البيئة الشيعية أو في موقع حزب الله داخل لبنان.
*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



