دولي وعربي


إسرائيل: جمود دموي في لبنان

الاثنين 8 حزيران 2026 - 0:05

تحت عنوان "إسرائيل في حالة جمود دموي في لبنان، بينما تتواصل أعمال العنف في الضفة الغربية" كتب محلل الشؤون العسكرية في صحيفة "هآرتس" عاموس هرئيل مقالة جاء فيها:

 قُتل أربعة ضباط وجنود خلال الأسبوع الماضي في حوادث مع حزب الله في الجنوب اللبناني؛ كذلك قُتل جندي آخر نتيجة إطلاق نار عرضي، وأُصيب عشرات آخرون، بعضهم بجروح خطِرة. ويُعَد هذا الأسبوع الأصعب في لبنان منذ شهر آذار/ مارس الماضي، وهو أيضاً الثمن الذي تدفعه إسرائيل، في مقابل استمرار القتال في لبنان، ضمن حملة عسكرية لم تتضح أهدافها بالكامل، وتُدار فيها القوة العسكرية الإسرائيلية في ظل قيودٍ فرضتها الولايات المتحدة.

تنصّل حزب الله، يوم الخميس، من التفاهمات الجديدة التي تم التوصل إليها بوساطة أميركية في واشنطن. وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب مجدداً وقفاً لإطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، كان من المفترض هذه المرة أن يتم تطبيقه فعلياً. وحتى الآن، يبدو كأن نجاحه لا يختلف عن نجاح اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة. ويدرك حزب الله اللبناني الشيعي، وكذلك داعموه الإيرانيون، رغبة ترامب في التوصل إلى اتفاقات تنهي القتال على الجبهتين؛ لذلك، يواصلون ممارسة الضغط العسكري.

إن هدف حزب الله واضح: الحصول على شروط أفضل تعيد الوضع على الحدود إلى ما كان عليه قبل 6 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أي منع إسرائيل من استهداف عناصره في الجنوب اللبناني. وفي الخلفية، هناك شعور بالضيق داخل حزب الله نفسه؛ إذ يخسر التنظيم العشرات من مقاتليه كل أسبوع.

أمّا السيطرة على قلعة الشقيف، مثلما كان متوقعاً، فلا تغيّر مسار المعركة من الناحية الاستراتيجية؛ وهي تمنح الجيش الإسرائيلي أفضلية تكتيكية معينة، تحسباً لاحتمال السيطرة على هضبة النبطية المجاورة، لكن خطواته تبقى محدودة عملياً، وذلك في ظل سياسة ضبط النفس التي يفرضها ترامب على إسرائيل.

أمّا الدعم الإيراني، فحسبما أشار المحلل داني سيترينوفيتش أمس (السبت) ، فشهد تراجعاً معيّناً في استراتيجية "الوكلاء". لقد بنَت إيران شبكة من تنظيمات حرب العصابات والجماعات المسلحة في أنحاء الشرق الأوسط، لكي تساعدها على الردع والدفاع عند الحاجة، لكن في نهاية المطاف، تلقّى حزب الله ضربةً من إسرائيل، ولم يقدّم مساهمة أساسية في الدفاع عن إيران. والآن، تضغط طهران لمساعدة التنظيم على البقاء، لكنها تفعل ذلك من موقعٍ تعتبره، هي نفسها، موقع قوة، لا موقع ضعف.

إن رغبة ترامب في إنهاء الحرب واضحة تماماً، فالرئيس الأميركي يعبّر عنها في كل مناسبة. ويرى الإيرانيون في ذلك فرصة لمواصلة الضغط من أجل تحسين شروطهم أيضاً في منطقة الخليج؛ لذلك، يفتعلون احتكاكات مستمرة، لكن محدودة، في منطقة مضيق هرمز. لقد تجرأوا خلال الأسبوع الماضي على الذهاب أبعد من ذلك، عبر تنفيذ هجمات عدوانية ضد دول مجاورة في الخليج، كان أبرزها هجوم أدى إلى سقوط عشرات الضحايا في مطار الكويت الدولي.

في الخلفية، تبرز بوضوح رغبة ترامب في الابتعاد عن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ومن أبرز التطورات خلال الأسبوع الماضي ما وُصف بـ"مكالمة الشتائم"، فقيل إن ترامب تحدث إلى نتنياهو بلهجة قاسية، وأجبره على إلغاء غارة جوية كان الجيش الإسرائيلي يعتزم تنفيذها على بيروت. ويلمّح الرئيس الأميركي إلى أنه من أجل تحقيق هدفه بشأن إنهاء الحرب وتقليص الأضرار الناتجة من فشل إسقاط النظام في طهران، لن يتردد في تجاوُز نتنياهو، أو الضغط عليه؛ ومع ذلك، يجب الانتباه، لقد أُعلن بشأن نهاية العلاقة بين ترامب ونتنياهو عشرات المرات في السابق، لكن نتنياهو كان ينجح دائماً في تجاوُز الأزمات.

في الوقت الذي تعاني جبهة لبنان جرّاء حالة من الجمود الدموي، تستمر أعمال العنف في الضفة الغربية والخليل؛ إذ قُتل رضيع فلسطيني يبلغ من العمر سبعة أشهر وأُصيب والداه، بعد أن أطلق جندي من الجيش الإسرائيلي النار على سيارتهما. وذكر الأب أنه توقف عندما طلب منه الجنود ذلك، ثم أطلق الجندي النار على السيارة في وضح النهار، ومن مسافة قصيرة. وأعلن الجيش الإسرائيلي أن الحادثة ستخضع للتحقيق.

 كذلك شهدت قرية حوّارة، جنوبي نابلس، أعمال شغب نفّذها مستوطنون، حيث رشقوا السكان الفلسطينيين بالحجارة واعتدوا على اثنين منهم بالعصي. وأظهرت تسجيلات مصورة جندياً من الجيش الإسرائيلي يشارك في أعمال العنف. وأصدر الجيش بياناً وصف فيه ما حدث بأنه "احتكاك عنيف واستخدام للعصي بين مواطنين إسرائيليين وفلسطينيين"، وأضاف أن هناك ادّعاءات تفيد بإصابة عدد من الفلسطينيين. وأعلن المتحدث باسم الجيش أنه يدين بشدة أي عنف "من أي نوع كان، يضرّ بالأمن في المنطقة، ويشتت انتباه القادة والجنود عن مهمات الحماية ومكافحة ’الإرهاب’".

وانتشرت في شبكات التواصل صورة أُخرى صادمة، بسبب ما تستحضره من دلالات مباشرة: مجموعة من اليهود المتطرفين، ملثمين ومكدّسين داخل شاحنة بيضاء، في طريقهم لتنفيذ هجوم ضد فلسطينيين. وأُطلقت في وسائل الإعلام تصريحات تعبّر عن الصدمة والاستنكار، لكن هذه الحوادث ستُنسى سريعاً، على الأرجح، بحلول اليوم التالي. وثمة شك في احتمال أن يدفع أيٌّ من المتورطين — سواء أكان الجندي الذي أطلق النار في الخليل، أو المعتدون بالقرب من نابلس — ثمناً حقيقياً لأفعالهم.

منذ قضية أليؤر عزاريا في سنة 2016، وبصورة أكبر منذ هجوم 7 أكتوبر، لا يجرؤ الجيش الإسرائيلي على تقديم جنود للمحاكمة، حتى في الحالات الواضحة التي يُطلَق فيها النار على مدنيين. فقبل ثلاثة أشهر، قُتل أربعة أفراد من عائلة فلسطينية في بلدة طمون، شرقي نابلس، على يد قوة إسرائيلية خاصة، وجرى إغلاق القضية لاحقاً.

أمّا فيما يتعلق بالهجوم العنيف على حوّارة ، فإن جميع المسؤولين في الضفة الغربية — في الجيش الإسرائيلي والشاباك والشرطة — يدركون جيداً موازين القوى القائم. فالمهاجمون ينتمون إلى "الذراع العسكرية الجديدة" لمشروع البؤر والمزارع الاستيطانية. من جهة أُخرى، فإن قادة مشروع السيطرة على المناطق المصنفة(B) و(C) وتهجير الفلسطينيين ربما يعبّرون عن الاستياء من أعمال العنف ظاهرياً، لكنهم لم يتخذوا خطوات فعلية لكبحها، والأهم بالنسبة إليهم، هو تحقيق الهدف: ردع الفلسطينيين وإخافتهم ودفعهم إلى خسارة مزيدٍ من الأراضي بالتدريج.

تُعتبر جميع الوسائل في هذه المعركة مقبولة، حتى لو اعترف القلائل بذلك علناً. كذلك يدرك المشاركون في أعمال الشغب، الذين يطلق بعضهم النار على الفلسطينيين بدم بارد، أنهم يحظون بدعم سياسي من أطراف في داخل الائتلاف الحاكم.

*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة