الأربعاء 3 حزيران 2026 - 0:07
تحت عنوان "احتلال الشقيف ضربة لحزب الله، وعلامة استفهام كبيرة حيال إسرائيل" كتب رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي السابق تامير هايمان مقالة في قناةN12. جاء فيها:
إن التصعيد في الشمال ينبع من تعميق المناورة البرية للجيش الإسرائيلي وردّ حزب الله الواسع عليها. احتل الجيش سلسلة جبال الشقيف (البوفور) ومنطقة الزوطرَين (وهو اسم يُطلَق على قريتين واقعتين في شمال الليطاني وغرب الشقيف). وهذه المنطقة الواسعة يطلق عليها حزب الله اسم "المفتاح الأمني"، على الأرجح، لكونها منطقة محورية للدفاع في وجه أي توغّل إسرائيلي شمالاً، ومنطقة تُعَد السيطرة منها على إصبع الجليل سهلة.
علاوةً على ذلك، ووفقاً لطلب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية، وفي موازاة الجهد الناري لقيادة المنطقة الشمالية، يستعد الجيش لتوسيع عمليته في اتجاه مدينة صور وشمال سهل مرجعيون.
على الصعيد التكتيكي، تُعتبر سلسلة الشقيف فعلياً منطقة مرتفعة ومسيطِرة وذات أهمية كبيرة، كما أن الأهمية التي يوليها إياها حزب الله تمنحها أيضاً قيمة رمزية واستراتيجية، لكن يبقى السؤال: ما الغاية الاستراتيجية من توسيع العملية؟
من المرجّح أن هناك أربع غايات لهذه العملية:
1- احتلال مناطق انطلقت منها طائرات مسيّرة مفخخة وتم توجيه النيران منها نحو القوات الإسرائيلية: هذا صحيح، لكن يجب الإشارة إلى أن إطلاق النار يتم من مناطق عديدة أُخرى، وبالتالي فإن السيطرة على هذه المنطقة لن تؤدي إلى إزالة التهديد.
2- ممارسة ضغط على الدولة اللبنانية لتعميق الشرخ بينها وبين التنظيم، بما يدعم المفاوضات المباشرة الجارية في واشنطن بين لبنان وإسرائيل: هذا صحيح أيضاً، لكن هناك جانباً معطّلاً للمفاوضات، لأن الحكومة اللبنانية تتعرض للإحراج أمام مواطنيها نتيجة الضغط العسكري الإسرائيلي المتزامن مع سير المحادثات.
3- ممارسة ضغط على إيران لدفعها إلى إبداء مرونة أكبر في المفاوضات مع الولايات المتحدة: تسعى إيران لإدراج وقف إطلاق النار في لبنان ضمن تفاهماتها مع الولايات المتحدة (بدءاً من المرحلة الأولى). وحقيقة أن حزب الله يفقد أصولاً ومواقع، وأن مكانته داخل لبنان تتآكل بمرور الوقت، ربما تخلق شعوراً بالإلحاح لدى إيران، لكن المشكلة أن إسرائيل بذلك تربط بين الساحتين اللبنانية والإيرانية، وهو ما يتعارض مع موقفها المعلن أن الملف اللبناني منفصل عن الملف الإيراني.
4- ردّ الحكومة الإسرائيلية والجيش على الانتقادات الداخلية: وذلك على خلفية غياب الرد على عمليات حزب الله واستمرار القصف على الشمال، وما يرافق ذلك من غضب وإحباط لدى رؤساء السلطات المحلية وسكان الشمال الذين يعيشون أزمة حقيقية. هذه الأزمة تستدعي التحرك، وبما أن قدرة إسرائيل على الرد بالنيران وحدها مقيدة، فإن الردّ، عبر التوغل البري، يصبح الخيار العملي المتاح.
يرجَّح أن الحقيقة تكمن في الجمع بين هذه الأهداف كلها، لكن لا يوفر أيٌّ منها حلاً بعيد المدى لمشكلة حزب الله، حتى إن الاحتلال الكامل لمنطقة النبطية ومدينة صور وكل المنطقة حتى نهر الليطاني، لن يؤدي إلى حسم المعركة ضد التنظيم؛ فمراكز ثقله الأساسية موجودة في بعلبك وبيروت، كما أن قدرته الصاروخية البعيدة المدى منتشرة في عمق الأراضي اللبنانية كلها، أمّا فيما يتعلق بالطائرات المسيّرة المفخخة، فكل مكان توجد فيه تجمعات سكانية يمكن أن يتحول إلى موقع لتصنيعها وإطلاقها.
هناك مشكلة إضافية تتمثل في الاحتفاظ بالمناطق التي يتم احتلالها؛ فحزب الله ضعيف فعلاً وغير قادر على الوقوف في وجه المناورة البرية للجيش الإسرائيلي، وحتى لو قاوم، ولو ألحق خسائر بالقوات، فهو غير قادر على وقف التقدم العسكري، لكن المشكلة تبدأ بعد السيطرة على الأرض؛ فالاحتفاظ بها يتطلب قوات كبيرة، والانسحاب منها غير واقعي قبل الانتخابات في إسرائيل. ومن الصعب التصور أن الحكومة الإسرائيلية ستنسحب من لبنان، في مقابل تفاهمات مع الحكومة اللبنانية الضعيفة، بمعنى أن الأرض المحتلة تُعَد مكسباً تكتيكياً في المدى القصير، لكنها تتحول إلى عبء عملياتي في المدى الطويل، إلّا إذا تم التوصل إلى اتفاق يتم بموجبه، انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى الخلف، في مقابل نزع سلاح حزب الله بواسطة قوة أميركية تساعد الجيش اللبناني، وتحت رقابة دولية، لكن من الصعب الاعتقاد أن اتفاقاً كهذا سيُنجَز قريباً؛ فالرئيس الأميركي منشغل بالكامل بالمواجهة مع إيران، وبانتخابات منتصف الولاية، وبأفكار وخطط تتعلق بتغيير النظام في كوبا؛ أمّا لبنان، فيأتي متأخراً جداً في سلّم أولوياته.
الخلاصة أنه يجب إدارة المعركة في لبنان ضمن إطار استراتيجي يحدد كيف سيتم نزع سلاح حزب الله؛ هذا المسار طويل، ويتطلب استعداداً للانسحاب من لبنان، في مقابل عملية سياسية موثوق بها. ويجب ألّا يتم توسيع التوغل البري إلّا انطلاقاً من هذا الاعتبار، مع الأخذ في الحسبان العبء المتوقع على جنود الجيش الإسرائيلي وقوات الاحتياط؛ كذلك يجب تحسين وسائل مواجهة تهديد الطائرات المسيّرة، وتخصيص الموارد لإعادة إعمار الشمال، وتجنُّب الانجرار إلى عمق الأراضي اللبنانية لتحقيق أهداف غير عملية.
يجب أيضاً قول الحقيقة للجمهور: إن نزع سلاح حزب الله لن يتحقق إلّا من خلال الجمع بين المسار السياسي والجهد العسكري، وسيستغرق ذلك وقتاً طويلاً، وحتى حينها، لن يؤدي إلى إزالة تهديد حزب الله بالكامل، فما دام النظام الإيراني قائماً، ويرى في بقاء حزب الله مصلحة إيرانية حيوية، فإن إيران ستواصل تشكيل تهديد لإسرائيل على الجبهة الشمالية.
*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



