الأربعاء 10 حزيران 2026 - 0:13
تحت عنوان "إيران تخوض الآن حرباً دفاعاً عن وكلائها" كتب رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي السابق تامير هايمان مقالة في قناN12.جاء فيها:
دخلت إسرائيل الفصل القتالي الخامس مع إيران. وكل جولة قتال بين إسرائيل وإيران كانت مختلفة عن الأُخرى، لكن الجولة الحالية، في ضوء التجارب السابقة، تشير إلى إمكان حدوث تحوُل خطِر نحو الأسوأ في الواقع الاستراتيجي مع إيران والمحور الشيعي.
ملخص الجولات السابقة
اندلعت الجولة الأولى في إثر اغتيال قائد بارز في الحرس الثوري الإيراني داخل مقر إيراني في دمشق [نيسان/أبريل 2024]، وشملت ليلة واحدة من الهجمات الصاروخية المتبادلة، أعقبتها بعد أسبوعين ضربة إسرائيلية رمزية دمرت بعض منظومات الدفاع الجوي.
أمَّا الجولة الثانية، فجاءت بعد اغتيال حسن نصر الله في بيروت [24 أيلول/سبتمبر 2024]، وشهدت إطلاق إيران دفعتين واسعتين من الصواريخ. وردّت إسرائيل بتدمير مواقع لإنتاج الصواريخ البالستية وإلحاق أضرار أكبر بمنظومة الدفاع الجوي الإيرانية.
كانت الجولة الثالثة مبادرة إسرائيلية سُمّيت "حرب الأيام الاثني عشر"، [حزيران/يونيو 2025]، وهدفت إلى تدمير المشروع النووي الإيراني، لكن تبيَّن لاحقاً أن التدمير لم يكن كاملاً، إذ تمكنت إيران من إعادة تأهيل جزء من قدراتها.
أمَّا الجولة الرابعة، وهي "حرب الأربعين يوماً" [شباط/فبراير 2026]، فقد نُفذت بمبادرة إسرائيلية أميركية مشتركة، بهدف إضعاف النظام الإيراني إلى حد إسقاطه، والاستمرار في تدمير قدراته العسكرية الهجومية. ما الجديد في الجولة الحالية؟
هذه هي الجولة الأولى التي يقودها مجتبى خامنئي منذ بدايتها؛ فعند اندلاع عملية "زئير الأسد"، أُصيبَ بجروح، ولم يتمكن خلال الأيام الأولى الحاسمة من أداء مهامه بالكامل. أمَّا الآن، فهذه هي أول تجربة حقيقية له كقائد أعلى فعلي، وقد يفسر ذلك إصراره على التمسك بمواقفه وتنفيذ تهديداته بصورة حازمة.
يرسل مجتبى عدة رسائل في آن واحد: رسالة قوة وثقة بالنفس إلى الشعب الإيراني، ورسالة حزم وتشدد في المفاوضات، مع تحميل إسرائيل مسؤولية تدهور الوضع، ورسالة فحواها أن قواعد اللعبة تغيرت، وأن مفهوم "وحدة الساحات" والمحور الشيعي عاد ليصبح ذا صلة بعد أن ظن كثيرون أنه انتهى.
إيران تدافع عن حزب الله
في السابق، كان من المفترض أن يقوم حزب الله بردع إسرائيل دفاعاً عن إيران، أمَّا اليوم، فإيران هي التي تدافع عن حزب الله، ويُعَد هذا التحول الاستراتيجي مكافأة إيرانية لحزب الله على ولائه، ولأن أمينه العام نعيم قاسم وقف إلى جانب إيران على الرغم مما سببه ذلك من ضرر للمصلحة اللبنانية، الأمر الذي عرّض مكانته داخل لبنان للخطر.
هذه السابقة تشبه ما حدث في مضيق هرمز؛ ففي الحالتين تسعى إيران لفرْض قواعد جديدة لم تكن قائمة قبل الحرب، بما يخدم روايتها للنصر. وبعبارة أُخرى، فإن إيران لا تريد إنهاء الحرب بمجرد عدم الهزيمة، بل أيضاً تريد الخروج منها بمكاسب جديدة: كتكريس سيادتها على مضيق هرمز، وفرْض "ردْع موسَّع" يمتد ليشمل لبنان أيضاً.
جولة ردع موسَّع
كانت الجولتان الأولى والثانية بمثابة إعلان متبادل للخطوط الحمراء بهدف إعادة بناء توازن ردع مستقر. أمَّا هذه المرة، فالغرض الردعي مشابه، لكن الخطر يكمن في أن هذه الجولة قد تستمر لفترة أطول، وتتضمن عدة موجات من الضربات المتبادلة.
من هذه الناحية، هي جولة فريدة وأكثر خطورة؛ ففي الحروب التي يكون هدفها "استعادة الردع" أو رسم خطوط حمراء جديدة، يصعب قياس النجاح، وبالتالي يصعب معرفة متى يجب التوقف في الحرب وكيف. في حرب الأيام الاثني عشر، كان الهدف واضحاً؛ المشروع النووي الإيراني. وفي حرب الأربعين يوماً، كان الهدف إضعاف القدرات العسكرية وزعزعة النظام الإيراني، وهو هدف يمكن قياسه ولو لم يتحقق بالكامل.
أمَّا في الجولة الحالية، فإن صورة النهاية غير واضحة؛ فمدى نجاح الردع لن يتضح إلاَّ بعد توقُّف القتال، عندما تهاجم إسرائيل أهدافاً في بيروت، وعندها سنرى ما إذا كانت إيران ستردُّ أم لا. وخلال المعركة نفسها، لا يمكن معرفة ذلك، كما لا يمكن معرفة مقدار الألم الذي يجب إلحاقه بإيران لتستوعب الرسالة.
توصيات واستنتاجات
قد يشكِّل الفصل الخامس نقطة تحوُّل سلبية في ميزان القوى مع إيران؛ فنجاح مجتبى خامنئي قد يؤدي إلى ترسيخ حكمه ومنحه ثقة مفرطة في رؤيته الراديكالية. كما أن إعادة إحياء مفهوم وحدة الساحات، وظهور معادلات ردع جديدة تسعى إيران عن طريقها لتقييد حرية عمل إسرائيل في لبنان، يمثلان تطوراً سلبياً من وجهة النظر الإسرائيلية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن خطر الانجرار إلى جولات ردْع طويلة من دون حسم أو تثبيت للنتائج قد يؤدي إلى تدهور الوضع الاستراتيجي في مواجهة إيران.
هناك أمر واحد واضح؛ لا شيء انتهى مع إيران. كل الإنجازات العسكرية المثيرة للإعجاب التي تحققت حتى الآن لم تنجح في تشكيل واقع أمني أفضل لإسرائيل، سواء عبر الردع أو الحرب. ومن هنا يُستخلص أن إدارة الصراع مع إيران عبر الردع وحده أو عبر جولات عسكرية متكررة ليست كافية، وأن تحقيق استقرار الوضع يتطلب تحويل الإنجازات العسكرية إلى إطار سياسي واتفاقات ملزمة تضمن واقعاً جديداً وأكثر استقراراً.
*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



