دولي وعربي


كيف قرأ الإسرائيليون حادثة "فلاي دبي"؟

الجمعه 2 تشرين الأول 2026 - 0:06

في مقال تحليلي نشرته صحيفة "هآرتس"، رأى محلل الشؤون العربية تسفي برئيل، أن الطائرة التابعة لشركة "فلاي دبي" التي هبطت في السعودية رسمت خريطة علاقات إسرائيل بالمنطقة. وجاء في المقال، الذي حمل عنوان: "الطائرة التي هبطت في السعودية رسمت خريطة علاقات إسرائيل بالمنطقة":

إن الحادثة المروعة التي كادت فيها طائرة تابعة لشركة «فلاي دبي»، وعلى متنها عدد كبير من الركاب الإسرائيليين، أن تتعرض لخطر التحطم، ثم عبرت الأجواء الإماراتية والأردنية، وانتهى بها المطاف إلى الهبوط بسلام في السعودية، رسمت خلال دقائق خريطة التعاون الذي نشأ في السماء، قبل أن يتم تأسيس نظام سياسي موازٍ.

طبعاً، هناك أهمية هائلة لفهم أسباب الحادث، وترتيبات الأمن والتفتيش في شركة الطيران الإماراتية، ومسألة ما إذا كان الأمر يتعلق فعلاً بمحاولة تنفيذ هجوم. لكن من الناحية الإقليمية، يمكن استخلاص نتيجة أوسع من هذه الحادثة حتى قبل انتهاء التحقيق.

ليس من الضروري إسقاط طائرة لإحداث تأثير هجوم "إرهابي"، يكفي وقوع حادث عنيف داخل طائرة، أو حتى مجرد الاشتباه في وقوع مثل هذا الحادث، لتحويل مشكلة محلية إلى أزمة عابرة للحدود، تُدخل دولاً عديدة في سلسلة واحدة من عملية صُنع القرار.

هذه المرة، انتهت الأزمة بهبوط آمن في السعودية. ولو احتاجت الطائرة، على سبيل المثال، إلى الهبوط في العراق، أو لو تطلّب الأمر مساعدة عسكرية في المجال الجوي لدولة لا تربطها علاقات بإسرائيل، لكان اتضح لنا على الفور مدى اعتماد التعاون الإقليمي، ليس فقط على الإجراءات والأنظمة، بل أيضاً على العلاقات السياسية بين الدول.

لم تولد هذه المنظومة كلّها من اتفاقيات أبراهام؛ لقد ربطت الاتفاقيات إسرائيل، رسمياً، بالإمارات العربية المتحدة والبحرين، ثم بالمغرب أيضاً، وأنشأت أطراً جديدة للعلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية، لكن إلى جانب ذلك نشأت شبكة أوسع، لا تتطابق مع خريطة التطبيع؛ ففي تموز/ يوليو 2022، فتحت السعودية مجالها الجوي أمام جميع شركات الطيران التي تستوفي متطلباتها، وبذلك سمحت أيضاً للطائرات الإسرائيلية بالتحليق فوق أراضيها. وفي شباط/فبراير 2023، اتخذت عُمان خطوة مماثلة.

وسرعان ما بدأت شركة «إلعال» الإسرائيلية باستخدام الممر الجوي السعودي - العُماني في رحلاتها إلى تايلاند، وهو ما أدى إلى تقصير مسار الرحلة شرقاً بصورة كبيرة. وعُمان، شأنها شأن السعودية، لم توقّع اتفاقيات أبراهام، ولم تُقِم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.

لقد غيّرت الحرب استخدام هذا المسار، فأوقفت «إلعال» استخدام المجال الجوي العُماني لأسباب أمنية، لكنها واصلت استخدام المجال الجوي السعودي في الرحلات إلى الإمارات العربية المتحدة، إلى أن توقفت هذه الرحلات لأسباب أمنية.

هكذا، حتى عندما تُجمَّد العلاقات السياسية، أو حين لا تكون موجودة أصلاً، تواصل منظومة الطيران إنشاء روابط عملية بين الدول، وهنا تظهر خريطة العلاقات المعقدة التي تعمل إسرائيل ضمنها؛ فلم يعُد هناك تقسيم ثنائي بين دول صديقة ودول معادية، هناك خريطة سياسية تضم الدول التي تقيم علاقات دبلوماسية، أو اتفاقيات سلام مع إسرائيل؛ وخريطة أمنية تشمل أيضاً علاقات وتعاوناً لا يكونان مكشوفَين دائماً أمام الجمهور؛ وهناك خريطة جوية، يمكن فيها، حتى لدولة لا تربطها بإسرائيل علاقات دبلوماسية، أن تجد نفسها تشترك معها في منظومة واحدة من مسارات الطيران والمطارات ومراقبة الحركة الجوية وإجراءات الطوارئ؛ وربما تكون الخريطة الثالثة هي الأكثر إثارةً للاهتمام، لأنها لا تتيح دائماً للدولة اختيار ما إذا كانت إسرائيل ستتمكن من استخدام مجالها الجوي، أم لا؛ فربما تدخل مجالها الجوي طائرة إسرائيلية، أو طائرة تقلّ إسرائيليين، ويمكن أن تحتاج إلى هبوط اضطراري، أو ربما يتطلب تهديد يتطور في مجالها الجوي تنسيقاً مع السلطات الإسرائيلية. وفي مثل هذه الحالة، لا تختفي العلاقات السياسية، لكنها لم تعُد قادرة على أن تكون العامل الوحيد في عملية اتخاذ القرار.

لقد أوضح الهبوط في تبوك ذلك جيداً؛ فلم تكن السعودية مطالَبة بأن تقرر ما إذا كانت «مع إسرائيل»، أو أن تحدد الوزن الذي يجب إعطاؤه لسياسة إسرائيل في الأراضي الفلسطينية، أو في المنطقة. كان عليها التعامل مع طائرة تواجه حالة طارئة، وعلى متنها ركاب إسرائيليون، وسمحت لها بالهبوط على أراضيها.

لكن عندما طلبت إسرائيل إرسال طائرة عسكرية لإعادة ركابها، رفضت السعودية الطلب، وأُعيدَ الركاب على متن طائرة «فلاي دبي». ويجسد هذا الفارق بين الموافقة على التعامل مع حالة طوارئ وبين الموافقة على نشاط إسرائيلي على الأراضي السعودية، النقطة التي تصطدم فيها المنظومة الجوية بالمنظومة السياسية.

وعلى إسرائيل أن تأخذ هذا الحدّ في الحسبان؛ فطالما يتعلق الأمر بمرور طائرة في السماء، يمكن النظر إلى الأمر باعتباره ترتيباً تقنياً، يكاد يكون خالياً من الدلالة السياسية، لكن في لحظة الخطر، يتحول الترتيب التقني إلى قرار سياسي؛ هل يتم تبادُل المعلومات؟ هل يُسمح بالهبوط؟ هل يُسمح بدخول عناصر أمنية إسرائيلية؟ هل يُسمح لطائرة إسرائيلية بالهبوط؟ وأين يقع الخط الفاصل بين مساعدة الركاب وبين التعاون مع إسرائيل؟

لقد أظهر الهبوط في تبوك أن هذا الخط موجود، ويمكن عبوره في اتجاهٍ من دون عبوره في الاتجاه الآخر؛ لذلك، لا يمكن قياس التعاون الأمني الإقليمي فقط بعدد اتفاقيات التطبيع، أو حجم اللقاءات بين القادة؛ فالمنظومة الإقليمية الفعالة تُختبَر، تحديداً، في اللحظة التي يتعيّن على دولة أن تساعد طرفاً لا تريد أن تبدو كأنها تساعده، هناك يتضح ما إذا كان الفصل بين العداء السياسي والمصلحة الأمنية العملية يعمل فعلاً، أم أنه ينهار عندما ترتفع التكلفة السياسية للتعاون.

ومن وجهة نظر إسرائيل، فإن حادثةً كهذه تجعل طريقة تعامُلها السياسي مع دول المنطقة جزءاً من أمنها اليومي، وليس مجرد مسألة تتعلق بالسياسة الخارجية؛ تحتاج إسرائيل إلى شبكة إقليمية من المعلومات والتحذيرات والتنسيق للتعامل مع تهديدات لا تعترف بالحدود السياسية، لكن هذه الشبكة تعتمد أيضاً على هامش المناورة السياسي للدول التي يُفترض أن تشغّلها.

إن تصعيد مواجهة مع دولة ربما تحتاج إسرائيل إلى التنسيق معها في حالة طوارئ؛ أو خلق أزمة تقلص قدرة حكومتها على الظهور بمظهر المتعاون مع إسرائيل؛ أو اتخاذ خطوة تجعل من الصعب عليها تقديم مساعدة علنية لإسرائيل؛ هذا كله لا يقتصر تأثيره على الساحة التي يحدث فيها، بل ربما يؤثر أيضاً في اللحظة التي تحتاج إسرائيل خلالها إلى تلك الدولة، حين لا يوجد وقت لإعادة ترتيب العلاقات من جديد.

إن الدرس المستخلَص من الطائرة التي هبطت في تبوك ليس مجرد قصة عن أمن الطيران، فهو يكشف التناقض الكامن في الشرق الأوسط، حيث أصبحت إسرائيل مندمجة فعلاً في الأنظمة الإقليمية بدرجة أكبر كثيراً مما توحي به الخريطة السياسية الرسمية، لكن استعداد الدول المشارِكة في هذه الأنظمة لمساعدتها ليس متساوياً، وليس من دون حدود.

يمكن لطائرة واحدة أن تشعل أزمة تعبر 4 حدود. والسؤال ليس فقط عن أيّ حدود تستطيع إسرائيل عبورها في وقت السِّلم، بل أيضاً عن أيّ جسور ستظل مفتوحة أمامها في وقت الطوارئ.

*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة