الاثنين 24 آب 2026 - 0:08
تحت عنوان: "تبادُل الاتهامات بشأن سورية أظهرَ توتراً على السطح بين إسرائيل والولايات المتحدة" كتب المحلل العسكري لصحيفة "هآرتس"، عاموس هرئيل مقالة جاء فيها:
شهدت نهاية الأسبوع تبادلاً للاتهامات بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن الغارة الإسرائيلية التي وقعت في بدايته على شمال سورية. وتصر إسرائيل على أن قصف مطار أبو الظهور السوري كان يهدف إلى إحباط نقل وسائل قتالية ونشر مستشارين عسكريين أتراك في المكان، قبل أن تدخل الخطة حيّز التنفيذ.
أمّا الدبلوماسي الأميركي، مبعوث الرئيس دونالد ترامب إلى سورية توم برّاك، الذي يشغل أيضاً منصب سفير الولايات المتحدة لدى تركيا، فانتقد القصف ولمّح إلى أنه كان بدوافع سياسية، لكن ترامب نفسه لم يعلّق على الأمر حتى الآن.
وأشار برّاك في مقابلة له إلى إحدى النظريات، وهي أن الإسرائيليين حاولوا ببساطة دفع تركيا إلى الرد، وقال: "إنها خطوة شديدة العدوانية، لكن ربما ستلقى ترحيباً قبيل الانتخابات."
وردّ وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أمس ببيان قال فيه إن "الجيش الإسرائيلي أوصى مرات عديدة بتنفيذ هجوم على المطار، في ضوء المعلومات الاستخباراتية الواضحة التي تم الحصول عليها بشأن نية تركيا تنفيذ أعمال من شأنها تعريض أمن دولة إسرائيل للخطر".
وأضاف كاتس أن تصريحات برّاك "غير دقيقة".
يؤكد الجيش الإسرائيلي أنه تراكمت معلومات استخباراتية في الآونة الأخيرة تتعلق بخطط تركيا بشأن القيام بانتشار عسكري في المطار. وتحافظ تركيا على وجود عسكري في شمال سورية منذ سنة 2017 على الأقل، وكانت منخرطة بصورة كبيرة في دفع جبهة المتمردين السورية الرئيسية، "هيئة تحرير الشام"، إلى السيطرة على معظم أراضي البلد وإسقاط نظام الأسد في دمشق في نهاية سنة 2024، لكن العلاقات بين الطرفين معقدة، والرئيس السوري أحمد الشرع يفضل الحصول على المساعدة من الأتراك من دون قبول إملاءات مباشرة منهم؛ وكان من المقرر نشر أنظمة دفاع جوي وطائرات مسيّرة في المطار الشمالي؛ كذلك جرى الحديث عن نقل مستشارين عسكريين أتراك لمساعدة الجيش السوري في تدريب أفراده على تشغيل هذه الأنظمة.
حذّرت إسرائيل الحكومتين التركية والسورية بصورة مباشرة مرات عديدة قبل أن تقرر تنفيذ الضربة. وحتى بعد اتخاذ قرار تنفيذها، حرصت على مهاجمة الموقع، قبل أن يترسخ فيه أي وجود تركي، ومن دون المخاطرة بإصابة أفراد من الجيش التركي، لكن هذه ليست سوى نصف القصة؛ أولاً، وبحسب ما لمّح برّاك، من الصعب تجاهُل الشك في أن هناك اعتبارات إضافية تحرّك الجانب الإسرائيلي أيضاً، وهناك الحجة المبدئية التي ذكرها كاتس، ومفادها بأن الدرس المركزي من "مجزرة" 7 أكتوبر هو، بحسب قوله، ضرورة المبادرة إلى العمل العسكري لإحباط التهديدات مسبقاً، لكن إلى جانب ذلك، تعمل الحكومة الإسرائيلية على تأجيج النار في عدد كبير من الجبهات في الوقت نفسه، لتنضم الآن الجبهة السورية إلى لبنان وقطاع غزة، وكذلك إلى الضفة الغربية، حيث ينشط مستوطنون من اليمين المتطرف، بدعمٍ من داخل الحكومة.
كلّ أسبوع، بل مرات عديدة في الأسبوع، يهدد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والوزير كاتس عدداً من الأعداء، والهدف ليس الردع فقط، بل أيضاً خلق جدول أعمال يعكس حالة طوارئ أمنية دائمة، وعندما لا يكون لدى الحكومة ما تقدمه، وعندما تفشل في مهمات أساسية، مثل ضمان التشغيل المنتظم لمطار بن غوريون، وعندما تتراجع أحزاب الائتلاف في استطلاعات الرأي، يبقى دائماً العذر الأمني.
لكن الخلاف العلني بين كاتس وبرّاك يمثل حالة نادرة نسبياً في الفترة الأخيرة، صعدت فيها الخلافات الأميركية - الإسرائيلية إلى السطح. في قطاع غزة، يكتفي الأميركيون في الوقت الراهن بالتوبيخات والشكاوى خلف الأبواب المغلقة، ففي الأسبوع الماضي، عقد نتنياهو اجتماعاً متوتراً، إلى حد ما، مع الثلاثي الممثل لترامب، ولمجلس السلام الدولي بشأن غزة ــ جاريد كوشنر، ونيكولاي ملادينوف، وتوني بلير ــ لكن الإدارة الأميركية امتنعت، حتى الآن، من إخراج هذه الخلافات إلى العلن.
بعد عودته من زيارته الأخيرة لواشنطن، في نهاية تموز/يوليو، اتّبع نتنياهو سياسة أكثر اعتدالاً في قطاع غزة، بناءً على طلب ترامب، لكن بعد نحو أسبوع، غيّر رأيه مجدداً، وسمح للجيش الإسرائيلي بتخفيف القيود قليلاً على وتيرة الهجمات.
ويركز الأميركيون بصورة أساسية على الحد مما يُسمى "الأضرار الجانبية" ــ أي قتل المدنيين غير المشاركين في القتال خلال الهجمات. وفي الوقت الراهن، لا توجد قيود على مواصلة اغتيال عناصر "حماس" الذين شاركوا في "مجزرة" 7 أكتوبر، أو الذين يعملون حالياً على إعداد خطط لتنفيذ هجمات جديدة، ويمكن أن تكون الإدارة الأميركية تبدي قدراً معيناً من التفهم للقيود التي يواجهها نتنياهو على الجبهة السياسية الداخلية، ولخشية ظهوره بمظهر الضعيف أمام ناخبيه.
في الوقت الحالي، تتركز الشكاوى الأميركية على سورية التي تحدث عنها برّاك، لكن ترامب لم يتحدث عنها، وعلى الضفة الغربية، حيث يقود السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، الانتقادات ضد إسرائيل.
ربما يأتي الرد الإيراني مرةً أُخرى في صورة تصعيد للهجمات العسكرية على دول الجوار، وفي مقدمتها السعودية والإمارات العربية المتحدة؛ أمّا إسرائيل، فلا تكاد تُذكر في هذا السياق. وفي الخلفية، لا تزال قضية السياسة الأميركية تجاه إيران قائمة، وبشكل غير مباشر أيضاً تداعياتها على الوضع في لبنان؛ مؤخراً، تخلّى ترامب بصورة شبه كاملة عن التهديدات بشن هجوم عسكري جديد على إيران، وبدلاً من ذلك، ركز على تشديد الإجراءات الاقتصادية ضدها، ويبدو كأنه يحقق بعض النجاح في هذا المجال: إذ يعبّر مسؤولون كبار في نظام طهران، وفي مقدمتهم الرئيس مسعود بزشكيان، عن قلق كبير من الأضرار الهائلة بالاقتصاد الإيراني التي يسببها الحصار الأميركي والعقوبات.
وفي غضون ذلك ، يقول مسؤولون في الإدارة الأميركية إن الولايات المتحدة تنجح مؤخراً في زيادة حجم النفط الذي يتم تصديره من الخليج، على الرغم من إغلاق الإيرانيين مضيق هرمز، ومع ذلك، من الصعب أن نرى في الوقت الراهن كيف سيتحول هذا النجاح إلى استسلام إيراني، أو تليين في الموقف الإيراني. يرفض الإيرانيون الاستسلام، حتى عندما كانوا في موقف شديد الصعوبة، وربما يأتي ردهم مرةً أُخرى في صورة تصعيد للهجمات العسكرية على الدول المجاورة، وفي مقدمتها السعودية والإمارات العربية المتحدة.
أمّا إسرائيل، التي تكاد لا تُذكر في هذا السياق، فتراقب التطورات من بعيد حالياً، وكالعادة، لا يمكن استبعاد أيّ سيناريو في حالة ترامب، بما في ذلك العودة إلى الحرب، لكن الاستعدادات الملموسة لشن هجوم عسكري، والتي جرت قبل بضعة أسابيع فقط، تبدو في الوقت الراهن أمراً بعيداً، وربما حتى منسياً.
*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



