دولي وعربي


ترامب يعلن السيطرة على هرمز.. ما مخاطر التصعيد؟

الأحد 23 آب 2026 - 0:02

خاص (أيوب)

لم يكن تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز، وأن إيران تسعى بشدة إلى اتفاق، مجرد توصيف للتطورات العسكرية في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. فالعبارتان، عند جمعهما، تكشفان جانباً أساسياً من الاستراتيجية الأميركية تجاه طهران: انتزاع ورقة هرمز من يد إيران، ثم استخدامها للضغط عليها ودفعها إلى طاولة التفاوض من موقع أضعف.

ترامب ذهب خلال الأيام الماضية إلى حد الحديث عن هرمز كما لو كان "أرضاً أميركية". وهو توصيف لا يحمل قيمة قانونية، فالمضيق ليس أرضاً أميركية، لكنه يعكس الطريقة التي تريد بها واشنطن تقديم ميزان القوى الجديد في المنطقة: إيران لم تعد، وفق الرواية الأميركية، الطرف القادر وحده على تهديد حركة الملاحة واستخدامها ورقة في المواجهة.

ماذا يعني "نحن نسيطر"؟

مضيق هرمز ليس ممراً عادياً. إنه واحد من أهم شرايين الطاقة في العالم، وأي اضطراب طويل فيه ينعكس على أسعار النفط والغاز وكلفة الشحن والتأمين وصولاً إلى أسعار السلع في الأسواق العالمية.

ولهذا، فإن الحديث الأميركي عن "السيطرة" لا يعني امتلاك المضيق أو تغيير وضعه القانوني، بقدر ما يعني محاولة فرض سيطرة عسكرية وأمنية على حركة الملاحة ومنع إيران من استخدام موقعها الجغرافي لتحويل هرمز إلى أداة ابتزاز استراتيجي.

وهنا تكمن أهمية كلام ترامب. فإيران بنت على مدى عقود جزءاً من قوتها الردعية على معادلة بسيطة: إذا تعرض أمنها واقتصادها وصادراتها النفطية للخطر، فإن أمن الطاقة العالمي يمكن أن يصبح بدوره في دائرة الخطر.

ترامب يريد قلب هذه المعادلة رأساً على عقب.رسالته إلى الإيرانيين تبدو واضحة: لم يعد التهديد بهرمز كافياً لإجبار الولايات المتحدة على التراجع، بل تستطيع واشنطن، بحسب منطقه، تحويل المضيق نفسه إلى وسيلة ضغط على إيران.

الجزء الثاني من تصريح ترامب قد يكون أكثر أهمية من الجزء الأول.

عندما يقول إن إيران "تسعى بشدة إلى اتفاق"، فهو لا يتحدث فقط إلى طهران، بل إلى الداخل الأميركي وحلفاء واشنطن أيضاً. يريد أن يقدم استراتيجية الضغط على أنها نجحت وأن العقوبات والضغوط العسكرية والاقتصادية بدأت تدفع القيادة الإيرانية إلى البحث عن مخرج.

لكن بين رغبة الطرفين في إنهاء المواجهة وبين الوصول إلى اتفاق فعلي مسافة كبيرة.ترامب نفسه كان قد قال قبل أيام إنه لا توجد محادثات مقررة مع إيران، بينما تتمسك طهران بشروط تتصل بالعقوبات والحرب والملفات الاقتصادية والسياسية العالقة. وهذا يعني أن الحديث عن رغبة إيرانية في الاتفاق لا يعني بالضرورة أن التسوية أصبحت جاهزة أو قريبة.

بل قد يكون التصريح جزءاً من حرب نفسية تفاوضية هدفها إظهار إيران أمام العالم وكأنها الطرف الذي يطلب التفاوض تحت الضغط، فيما تدخل واشنطن أي مفاوضات محتملة وهي تقول إنها صاحبة اليد العليا.

الجديد الأخطر هو أن مضيق هرمز نفسه أصبح جزءاً من الصراع التفاوضي.فبدلاً من أن تكون المفاوضات محصورة في البرنامج النووي والعقوبات والنفوذ الإقليمي، بات أمن الملاحة والطاقة في قلب المواجهة.هذا يفسر حساسية الموقف بالنسبة إلى سلطنة عُمان ودول الخليج. فقد عملت مسقط وطهران على أفكار تتعلق بتنظيم حركة السفن وتأمين الملاحة، فيما أبدت واشنطن اعتراضاً على أي صيغة قد تمنح إيران قدرة على التحكم بحركة العبور.وبالتالي، لا تدور المعركة فقط حول من يملك القوة العسكرية الأكبر، بل حول سؤال أكبر:من يضع قواعد المرور في هرمز؟

أين تكمن الخطورة؟

المشكلة في خطاب "السيطرة الكاملة" أنه يرفع سقف المواجهة إلى مستوى يصبح فيه التراجع أكثر صعوبة على الطرفين.فإذا أعلنت واشنطن أنها تسيطر على المضيق، تصبح أي محاولة إيرانية لإثبات قدرتها على تعطيل الملاحة تحدياً مباشراً للهيبة الأميركية.

في المقابل، إذا قبلت طهران عملياً بأن الولايات المتحدة هي صاحبة الكلمة العليا في المضيق، فإنها تخسر إحدى أهم أوراق الردع التي بنت عليها سياستها الإقليمية لعقود.

من هنا يصبح احتمال سوء الحسابات خطيراً.حادث بحري، استهداف ناقلة، اعتراض سفينة أو مواجهة بين قطع عسكرية قد يكون كافياً لإطلاق سلسلة ردود يصعب احتواؤها.والنتيجة الأولى ستظهر في الأسواق.

فارتفاع المخاطر في هرمز يعني ارتفاع أسعار النفط، وزيادة أقساط التأمين على السفن، وارتفاع كلفة النقل البحري، واضطراب سلاسل الإمداد. وكل ذلك لا يبقى محصوراً في الخليج، بل ينتقل إلى اقتصادات الدول المستوردة للطاقة.

ولبنان يدفع أيضاً

لبنان ليس بعيداً عن تداعيات هذه المواجهة، حتى لو كان على بعد مئات الكيلومترات من المضيق.فالبلد يعتمد بصورة شبه كاملة على استيراد المحروقات، وأي ارتفاع في أسعار المشتقات النفطية أو كلفة الشحن والتأمين سينعكس على أسعار البنزين والمازوت وكلفة إنتاج الكهرباء والنقل.من هنا تبدو المفارقة واضحة: أي مواجهة أميركية–إيرانية في هرمز يمكن أن تصل آثارها سريعاً إلى جيب اللبناني عند محطة الوقود.

لكن السيناريو الآخر ممكن أيضاً.

إذا كانت تصريحات ترامب جزءاً من عملية رفع سقف الشروط قبل الدخول في تسوية، فإن نجاح المفاوضات يمكن أن يؤدي إلى تخفيف التوتر في هرمز وعودة الملاحة إلى وضع أكثر استقراراً، ما يخفف الضغوط على أسعار الطاقة والشحن.

بين الحرب والصفقة

ترامب يستخدم أسلوباً بات معروفاً في التفاوض: رفع مستوى التهديد، إعلان تحقيق التفوق، ثم فتح الباب أمام الصفقة.

لذلك لا ينبغي قراءة قوله إن "إيران تسعى بشدة إلى اتفاق" منفصلاً عن قوله إن الولايات المتحدة "تسيطر على هرمز". الجملتان تشكلان رسالة واحدة:واشنطن تريد إقناع طهران بأن أهم أوراق الضغط الإيرانية أصبحت في يد الولايات المتحدة، وأن الاتفاق الآن أقل كلفة من استمرار المواجهة.

لكن المشكلة أن إيران قد تقرأ الرسالة بطريقة مختلفة تماماً.

فإذا رأت القيادة الإيرانية أن قبول هذه المعادلة يعني خسارة موقعها ونفوذها وقدرتها على الردع، فقد تحاول إثبات أن السيطرة الأميركية على هرمز ليست مطلقة.عندها يصبح المضيق أكثر من ورقة تفاوض.

يصبح المكان الذي قد يُحسم فيه السؤال الأصعب:هل تقود سياسة الضغط القصوى إلى صفقة كبرى مع إيران، أم إلى مواجهة أكبر قبل الوصول إليها؟



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة