الجمعه 21 آب 2026 - 0:07
تحت عنوان "حيفا في مواجهة دمشق: السباق الهادىء على العمود الفقري الاقتصادي في العالم" كتب الكاتب الإسرائيلي دان بيري مقالة في صحيفة "معاريف" جاء فيها:
إن الخطاب بشأن الشرق الأوسط، بأكمله تقريباً، تمحور حول الحرب طوال ثلاثة أعوام، إذ سيطرت على العناوين أخبار غزة، ولبنان، وإيران، والحوثيين، والاضطرابات السياسية داخل إسرائيل نفسها؛ لكن طوال هذه الفترة، جرى تطوُّر استراتيجي هادئ، له تداعيات محتملة هائلة، ويحظى باهتمام ضئيل للغاية، ويجب أن يحظى هذا الأمر بالأولوية في حكومة إصلاحية وعقلانية ستؤلَف بعد الانتخابات.
كانت جغرافيا التجارة العالمية على وشك أن تشهد تغييراً جوهرياً في الفترة التي حدثت فيها "مجزرة" السابع من أكتوبر، والأداة التي كان من المفترض أن تُحدث هذا التغيير هي الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا(IMEC)، والذي طُرح في قمة مجموعة العشرين في نيودلهي في سنة 2023؛ صُمم هذا الممر بشكل شبكة من الموانئ والسكك الحديدية والبنية التحتية للطاقة وكابلات الألياف الضوئية والروابط اللوجستية، لربط الهند بأوروبا، عبر الخليج وإسرائيل، وبشكل خاص عبر حيفا. ورأى كثيرون فيه ردّ العالم الديمقراطي على مبادرة الصين المعروفة باسم "الحزام والطريق".
بالنسبة إلى إسرائيل، يمكن أن يصبح ممر(IMEC) أهم مشروع استراتيجي-اقتصادي للدولة منذ عقود، وهو يتجاوز كثيراً مجرد تحصيل رسوم العبور. وستجذب الاستثمارات، تحديداً، الدول التي ستتحول إلى مراكز تجارية حيوية لأن الشركات ترغب في التمركز حيث تلتقي رؤوس الأموال والبنية التحتية والكوادر البشرية. وإذا نجح هذا الممر وكانت إسرائيل في مركزه، فربما تتطور حيفا إلى مركز لوجستي رئيسي في شرق البحر المتوسط، بينما تندمج مزايا إسرائيل في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وتحلية المياه وتقنيات الطاقة في سلاسل توريد تمتد من بنغالور إلى برلين. ولن يقتصر دور الممر على نقل البضائع، عبر إسرائيل، بل سيحمل أيضاً إلى العالم الخدمات والابتكارات ورؤوس الأموال الإسرائيلية.
الحروب التي اجتاحت الشرق الأوسط منذ ذلك الحين جمّدت المشروع فعلياً، لكن اضطرابات حركة التجارة البحرية في الخليج الفارسي والبحر الأحمر جعلته أكثر إلحاحاً وحاجةً، بالنسبة إلى جميع الأطراف.
في الواقع، ونظراً إلى أن المشروع عبارة عن خطة طويلة الأمد، فإنه نجح في الانتقال من جو بايدن إلى دونالد ترامب، على الرغم من أن الرئيسين يكادان لا يتفقان على شيء، إذ أدرك كلاهما أهميته التي تتجاوز الشرق الأوسط كثيراً؛ وأعادت إدارة ترامب في سنة 2025 التأكيد أن مكانة الممر أولوية استراتيجية، بالتعاون مع الهند.
بعبارة أُخرى، يمكن أن يتحول الممر(IMEC) إلى العمود الفقري الاقتصادي لتحوّل جيوسياسي أكثر اتساعاً: تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل، وتوسيع اتفاقيات أبراهام، وفي نهاية المطاف، إنشاء منظومة جديدة تربط الهند بدول الخليج وإسرائيل وأوروبا.
أخرج السابع من أكتوبر هذا التصور عن مساره، لأن الممر، بصيغته الأصلية، لا يستطيع المرور عبر إسرائيل من دون تطبيع العلاقات مع السعودية، لكن الممر نفسه لم يختفِ.
إلى جانب الفرصة الذهبية، هنا يكمن الخطر بالنسبة إلى إسرائيل: فكلما جرى البحث عن مسارات بديلة، ربما ينتهي الأمر بأن تتجاوز البنية التحتية والاستثمارات إسرائيل، بدلاً من المرور عبرها.
لذلك، تواجه إسرائيل خياراً استراتيجياً؛ وللحفاظ على مكانتها كمركز اقتصادي إقليمي، بدلاً من مشاهدة بنية شرق أوسط جديد تُشكَّل من دونها، ربما تكون أفضل فرصة لها إقامة حكومة أكثر اعتدالاً تستطيع إعادة ترميم العلاقات مع أوروبا، واستئناف مسار سياسي مع الفلسطينيين، وإذا لم يحدث ذلك، فإن استقرار الأوضاع في سورية في نهاية المطاف، يمكن أن يكون كافياً لمرور الممر عبرها، بدلاً من إسرائيل.
لا يحتاج المنطق إلى كثير من الجدل؛ فالهند تترسخ بالتدريج، باعتبارها المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي العالمي؛ وأوروبا تحاول تنويع علاقاتها الاقتصادية ومصادر الطاقة الحيوية. والذكاء الاصطناعي يدفع استثمارات غير مسبوقة في مراكز البيانات وإنتاج الكهرباء والبنية التحتية الرقمية. كما أن الحكومات باتت تنظر إلى سلاسل التوريد، ليس باعتبارها أداة للتجارة فحسب، بل قضية تتعلق بالأمن القومي.
تشير دراسات حديثة إلى أنّ الممر، إذا اكتمل، فيمكن أن يقلص زمن الشحن بين الهند وأوروبا بنسبة تصل إلى 40%، مع خفض تكاليف الخدمات اللوجستية بنحو 30%، وتقليل تكلفة شحن حاوية قياسية من نحو 6000 دولار إلى نحو 4200 دولار، وحتى إذا بلغ حجم التجارة مستوى متواضعاً نسبياً، قدره 1.5 مليون حاوية سنوياً، فإن ذلك يعني توفير نحو 2.7 مليار دولار سنوياً من تكاليف النقل وحدها.
يُظهر التاريخ أن هذا التوفير ليس سوى البداية، إذ تخلق هذه الممرات التجارية الكبرى منظومات اقتصادية كاملة؛ فالممر الذي يربط الصناعة الهندية برؤوس أموال دول الخليج، وبالتكنولوجيا الإسرائيلية، وبالأسواق الأوروبية، يمكن أن يجذب مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي، وبنى تحتية، وحوسبة، ومشاريع للطاقة المتجددة، وشبكات رقمية، ومنصات لوجستية، وتعاوناً بحثياً يمتد عبر ثلاث قارات.
لقد كشفت هجمات الحوثيين ضد الملاحة التجارية هشاشة باب المندب؛ وذكّرت التهديدات الإيرانية المتكررة للملاحة في الخليج العالم بأن مضيق هرمز لا يزال واحداً من أكثر نقاط الاختناق حساسيةً على وجه الأرض، في حين أن الغزو الروسي لأوكرانيا (2022) سرّع جهود أوروبا نحو إقامة علاقات تجارية أكثر صموداً وتنوعاً. وهذه الأزمات مجتمعةً أوضحت المخاطر الكامنة في تركيز التجارة العالمية في عدد صغير من الممرات البحرية التي تكون عرضةً للخطر، أو في دول عبور غير مستقرة.
كان التصور الأصلي بسيطاً وأنيقاً: تتحرك البضائع من الهند، وتعبر شبه الجزيرة العربية، عبر السعودية والأردن، وتدخل إلى إسرائيل، ثم تواصل طريقها إلى أوروبا، عبر حيفا، متجاوزةً نقاط الاختناق البحرية الخطِرة والدول غير المستقرة، مثل العراق وسورية ولبنان، بالتزامن مع بناء منظومة تكنولوجية واسعة حول الممر.
إن استمرار الاعتماد الأساسي على قناة السويس يُبقي التجارة العالمية عرضةً لنقاط الضعف نفسها التي كشفتها الأعوام الثلاثة الأخيرة؛ أمّا الممرات البرية، عبر العراق، أو سورية، فتمرّ عبر دول لا يزال أمنها هشاً، وتتأثر سياستها بشدة بالميليشيات المسلحة، أو بالقوى الخارجية. ولا يقدم لبنان مساراً واقعياً على الإطلاق؛ أمّا تركيا، فتطرح بعض الإمكانات، لكنها تنطوي أيضاً على تعقيدات جيوسياسية يفضّل كثيرون من شركاء الممر تجنّبها.
إذا كانت الدول الديمقراطية تريد جسراً موثوقاً به بين آسيا وأوروبا، فإن الجغرافيا لا تترك عدداً كبيراً من البدائل الجذابة.
ينتظر الجميع انتهاء الحروب، ويشبه المشروع حالياً "الزنبرك" المضغوط: طاقة استراتيجية وتجارية هائلة تنتظر الأوضاع السياسية التي تسمح بإطلاقها.
يصبح المنطق الاقتصادي للمشروع أكثر إقناعاً، ويعززه أي اضطراب في البحر الأحمر، أو الخليج. وكل أزمة تهدد أحد الممرات البحرية الحساسة في العالم تزيد في الحاجة إلى تنويع طرق التجارة وتقليل الاعتماد على النقل البحري، من خلال نقل جزء كبير من الرحلة براً في الطريق إلى أوروبا.
*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



